العدد ١٤ - ربيع/صيف ٢٠١٦

فن أيمن بعلبكي

اكتشاف للذّات من خلال تجربة الحرب

النسخة الورقية

«أنتمي إلى جيلٍ من الفنانين والكتّاب الذين عاشوا 20 سنة حرب وليس لديهم حديثٌ آخر سوى الحرب»١.
وُلد أيمن بعلبكي عام ١٩٧٥، في السنة التي اشتعلت فيها شرارة الحرب الأهلية اللبنانية. بالتالي ليس من المستغرب أن يستمدّ إلهامَه من الحرب والمواضيع المرتبطة بها من دمار وخسارة، وفراغ عاطفيّ ومادّي على حدٍ سواء، وانتقام وهوية الضحية. يتّسم معرضه الأحدث، الشخصي جداً والمتناسق جداً، الذي أقيم في صالة أجيال في بيروت، بالصراحة ورهافة الإحساس ذاتها التي طبعت معارضه السابقة.
في مقابلة له عام ٢٠٠٦، صرّح بعلبكي: «لا يريد اللبنانيون أن يتطرّقوا إلى موضوع الحرب»٢. هذا هو الرفض الذي يتحدّاه ويجابهه في هذا المعرض، بالطريقة نفسها تقريباً التي تحدّى فيها آنسلم كيفر، الذي تأثر بعلبكي بوضوح بأسلوبه، بشكلٍ مثير للجدل الصمتَ الجماعي لألمانيا بشأن مسألتي الحرب العالمية الثانية والرايخ الثالث٣.
ينقسم المعرض بدقّة، وبشكلٍ شبه موضوعي، إلى مجموعتين مختلفتين من الأعمال، لوحاتٍ تجسّد مباني ميتة وأخرى رجالاً مقنّعين.
ترمز لوحة «إستيقظ يا سيزيف» إلى عملية الانتقال من الجزء الأول من المعرض إلى الجزء الثاني.
 
التهجير
كذلك، تشكّل هذه اللوحة بألوانها الزاهية جسراً بصرياً لطيفاً بين جزءي المعرض. على خلفية مبنى في وسط بيروت، حُزمَت أمتعة الأسرة الملونة، إلى جانب الحيوانات الريفية الأليفة، وبدت جاهزة للانطلاق في رحلة.
تذكّرنا السماء الزرقاء الصافية الملأى بزهورٍ حمراء بالعطلة الصيفيّة في القرية. بيد أنّ زهو هذا العمل يتناقض مع مضمونه الذاتي المؤثّر، ذلك أنّ عنوانه يفضح قتامَته على الفور. فكما حُكِم على ملك كورنثيا القديم أن يدفع على الدوام صخرة إلى أعلى تلة في الجحيم لتعود وتتدحرج في كل مرّة يصل فيها إلى القمة، كذلك أيضاً حُكِم على بعلبكي بالتهجير المستمرّ كلّ مرة يستقرّ فيها.
اضطرّت عائلة بعلبكي إلى الهرب من رأس الدكوانة بسبب اندلاع الحرب الأهليّة عام ١٩٧٥. لم يكن عمره يتجاوز بضعة أشهر. انتقلوا إلى وادي أبو جميل في وسط بيروت، وهو حيٌ أصبح ملاذاً لأولئك الذين شرّدتهم الحرب.
عام ١٩٩٥، انتقل آل بعلبكي من وادي أبو جميل لإفساح المجال أمام موجة التطوّر المدني ما بعد الحرب وقد اختبر الفنان للمرة الأولى شعوراً بالتهجير. انتقلوا إلى حارة حريك. وبعد خمس سنوات، انتقل بعلبكي إلى باريس التي عاش فيها حتى عام ٢٠٠٤ واستمرّ في التنقّل بين بيروت وباريس حتى عام ٢٠٠٧.
في عام ٢٠٠٦، دمّر الهجوم الإسرائيلي على بيروت منزل آل بعلبكي في حارة حريك فضلاً عن مقتنياته جميعها. وكان هذا الحدث الذي ألهم الكثير من أعمال بعلبكي الفنيّة الحديثة.
لا تصوّر لوحة «شارع عباس الموسوي» و«بناية ياسين»، ولوحة «بدون عنوان» الدمار المادّي وحسب بل تصوّر الدمار النفسيّ أيضاً الذي خلّفته الحرب الاسرائيلية على لبنان عام ٢٠٠٦. تشكِّل ضربات فرشاة جريئة، تعبيريّة جديدة تكاد أن تكون عنيفة، مباني مظلمة، عديمة الشكل، مدمّرة دماراً جزئياً أو كلياً، لا حياة فيها، تقطر دماً، تلوح في أفقٍ رماديّ وتطغى على لوحاته الزيتية.
أمّا تعدّد الرسومات التي تشكّل لوحة «بدون عنوان» وضآلة حجمها فتقلّل من حجم الدمار الذي لحق بأيّ مبنى فردي فتُبرِز الحجم الحقيقي للدمار وتُفاقِم الشعور بالوحدة والعزلة. توازي هذه اللوحة من حيث الدمار والخراب لوحتي «شارع عباس الموسوي» و«بناية ياسين» المتجانستين نسبيّاً، وموضوعهما كان منزل الفنان ومحترفه.
تخلو مباني بعلبكي بشكلٍ واضح من الحياة الإنسانيّة التي هُجّرت منها، ناقلة المسكن إلى القسم الثاني من المعرض. بيد أنّ الحياة الإنسانية التي تبرز بعد الدمار قد تعدّلت بفعل الحرب. فالشبان مقنّعون كلياً أو جزئياً في ظل غيابٍ تام للنساء والأولاد والمسنّين.
في لوحة «العين بالعين»، تواجه المشاهد ١٥ صورة لشبانٍ مقنّعين (لعلّها صور ذاتية)، وجوههم متوارية خلف مجموعة متنوّعة من الأقنعة، جميعها مرتّب بالحرب: الكوفية التقليدية، وخوذة القتال، قناع الغاز، والقلنسوة المشؤومة.
 
القناع والأيقونة
استعمال بعلبكي للقناع معقّدٌ ومتعدّد الاستخدامات. فبخلاف الأقنعة التقليديّة في روما واليونان، تحجب أقنعته ملامحَ الوجه وتخفي بذلك أيّ أثرٍ واضح للعاطفة. عوضاً عن ذلك، إنّ اختياره للقناع هو الذي ينقل العواطف المخبّأة خلفه. لا يحتاج المرء إلى رؤية الوجه الذي تحت القلنسوة ليعرف أنّها تخفي رعباً لا يمكن تصوّره.
في إطار عمله المستمرّ على هذه الفكرة وإعادة صياغته لها، لم تعد أقنعة بعلبكي مجرّد أدوات للحماية أو لإخفاء للهويّة. لقد اتخذت وظيفة أكثر جوهريّة، فهو يستعمل الآن قناعه بالطريقة نفسها التي استعملت فيها الثقافات البدائية أقنعتها، للدلالة على تحوّل في توازن المجموعة، وبخاصةٍ في ما يتعلق بعلاقتها بالموت٤. في هذه الحالة، لم تظهر أقنعته إلّا بعد الموت والدمار الذي خلّفته الحرب.
تطغى الكوفيّة بشكلٍ بارز على لوحات بعلبكي الذاتيّة. عندما بدأ للمرّة الأولى برسم لوحاته الذاتيّة التي تظهر فيها الكوفيّة، أساء المشاهدون تفسير الشخصيات على أنّها فلسطينيّة على الرغم من أنّه كان يرسم أيضاً وجوهاً كانت إلى حدٍّ كبير جزءاً من الحرب الأهليّة اللبنانيّة.
مع الانتفاضة والحرب في العراق، اكتسبت وجوهه المغطّاة بالكوفيّة هويّة شرق أوسطيّة أوسع نطاقاً عوضاً عن الهويّة اللبنانيّة أو الفلسطينيّة. في لوحة «العين بالعين»، يعرض ثنائيّة الكوفيّة من خلال وضعها إلى جانب صورٍ ذاتيّة لجنودٍ يضعون أقنعة غاز وخوذات حرب وضحايا يضعون قلنسوات.
وكما فعل طارق غصين في مجموعة لوحاته الذاتيّة٥. يعتبر استعمال بعلبكي للكوفيّة دحضاً مباشراً للتفسيرات المتناقضة التي باتت مرتبطة بما كان في ما مضى غطاء رأسٍ متواضعاً يستخدم لحماية الوجه من رمال الصحراء الجامحة.
وُضعَت الصور الذاتيّة في هذه اللوحة الزيتيّة تحت مغلاق بابٍ نصف مفتوح، وكأنّها معلّقة في واجهة محلّ. وتمثّل عبارة «العين بالعين» المكتوبة باللغة العربية فوق الصور الذاتية مطالبة واضحة بالانتقام. كجزءٍ من تجربة مستمرّة مع المساحات التي تتميز بـ«فرادة محليّة»٦ يطلي بعلبكي المغلاق باللون الذهبي الفاتح، على غرار خلفيّة أيقونة بيزنطيّة، وبذلك يضفي لمسة من القدسيّة على الشبان الذين تشعّ عيونهم بالتحدّي. لربما أجاب بعلبكي أخيراً على سؤال ريم الجندي، «ضحيّة أم إرهابي؟»٧.
في لوحة «يا أبتي»، يستمدّ بعلبكي الإلهام مرة أخرى من الأيقونات البيزنطيّة في ما يتعلّق بخلفيّة اللوحة الذهبيّة والجزء العلوي المقوّس منها التي استخدمها بالنظر إلى التشابه بينها وبين إطار الأيقونات وشكل شاهد القبر٨.
أمّا لوحة الرسم هذه المرة فهي الجزء العلوي من عربة الخضرة التقليديّة. ترفع شخصيّته الوحيدة نظرها إلى السماء باستسلام. فوقها، يذكّر مذنّب الدب الأكبر بقصّة من الأساطير العربيّة تحكي عن جنازة. فالوالد، الممدَّد ميتاً في النعش (حوض الدب الأكبر)، يتبعه أبناؤه الممثّلون بالنجوم الثلاث التي تشكّل ذيل الدبّ الأكبر فيما هم متوجّهون نحو نجم الشمال، قاتل والدهم، سعياً وراء الانتقام.
في حين أنّ رسوم صور الحرب تطغى على المعرض، فالقول إنّ موضوع أيمن بعلبكي هو الحرب بمثابة تبسيطٍ إجمالي مفرط. ليست الحرب التي تبهره إنما تأثيرها على النفسية البشرية، وبالتحديد، على نفسيته هو.
على الرغم من أنّه تناول مواضيع واسعة، تبقى أعمال بعلبكي إلى درجة كبيرة استبطانيّة بطبيعتها. تطرح أعماله السؤال: «كيف صقلت الحرب شخصيتي؟» مع تركيزٍ كبير يبيّن تأثيرها على لبنان وعلى شعبه.

  • ١. كايلين ويلسون – غولدي، مقالة بعنوان Taking a sense of place – and moving it، صحيفة دايلي ستار، بيروت، 14 حزيران/ يونيو 2006.
  • ٢. المرجع نفسه.
  • ٣. Arasse, Daniel, Venice 1980, Anselm Keifer, Harry N. Abrams, Inc., Publishers.
  • ٤. Le Fur, Yves, Masks – Beauty of the Spirit, Bahrain, 2008.
  • ٥. Thompson, Seth, Palestinian Identity: The Work of Tarek Al-Ghoussein, Afterimage, June 10, 2007.
  • ٦. مقابلة أجراها الكاتب مع الفنان عبر البريد الإلكتروني، أيلول/ سبتمبر٢٠٠٨.
  • ٧. ريم الجندي، صحيفة المستقبل، عام ٢٠٠٦.
  • ٨. مقابلة الكاتب مع الفنان عبر البريد الإلكتروني، أيلول/ سبتمبر ٢٠٠٨.
العدد ١٤ - ربيع/صيف ٢٠١٦
اكتشاف للذّات من خلال تجربة الحرب

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.