العدد السابع - شتاء ٢٠١٤

دفاتر الفنانين العراقيين

العنف والدمار في الشكل والمضمون

النسخة الورقية

فن الكتب المعاصر في العالم العربي متشعّب. يبحث هذا المقال في منظور محتمل واحد فقط حول فن الكتب: الكتاب كوثيقة، وهو مصطلح مُستعار من كتاب «قرنٌ من كتب الفنانين» (نيويورك، ٢٠٠٤) لجوانا دراكّر. تستمدّ دراكّر مفهوم الكتاب كوثيقة من سياق غربي، ويكسِبه تكييفه مع العالم العربي، وتحديداً العراق، معنى خاصّاً به. وإذ تنخفض نسبة التصريحات الشخصية فيه مقابل الشهادات عن الحياة اليومية والصراع من أجل البقاء، وبالتالي عن حال الأمّة، يبرز الكتاب في أوقات الحرب كوثيقة في وسط الفراغ الذي خلّفه تدمير السجلات المرتبطة بتاريخ العراق الحديث، العامة والخاصة منها. وينبع فن الكتب المعاصر في العراق من هذا الإلحاح السياسي، وهو موسوم به. في بعض الأحيان، يستلهم هذا الفن الإرثَ العربي - الإسلامي، إلا أنه يبقى جزءاً لا يتجزّأ من الممارسات الفنية المعاصرة.
ترتبط بدايات فن الكتب ارتباطاً وثيقاً بما يسمّى الثقافة النخبوية، وتحديداً الكتاب المصوّر، كتاب (دفتر) الفنان livre d’artiste، الذي ظهر كمشروع نشر بمبادرة من تجّار الفن مثل أمبرواز فولار ودانييل - هنري كاهنفييلر في نهاية القرن التاسع عشر في فرنسا، ردّاً على الكتاب المنتج بكثافة للعامة. وقد خضع تعريف فن الكتب للكثير من التمحيص، بدءاً مع الحركة الطليعية في باكورة القرن العشرين، ومن ثم في الستينيات والسبعينيات، عندما بدأت أشكال جديدة من فن الكتب تتكاثر حول العالم في السياق العام للحراك الاجتماعي - السياسي. إلى جانب الطبعات المحدودة الموقّعة التي تتضمن رسومات، بتنا نجد الآن أيضاً نسخاً من كتب الفنّ غير مكلفة، أو أغراضاً فريدة النوع.
تجمع الدفاتر عدداً من الوسائط المختلفة معاً. فهي لا تصلح فقط لدمج النص والصورة، والتعبير اللفظي والبصري. والكثير من الكتب لا تستخدم الكتابة، فمن خلال طابعها المتسم بشدّة تداخل الوسائط، هي تتحدّى التعريفات الواضحة وتتلاءم مع فهمٍ للفن يقول بأن «جميع الفنون هي فنون مركّبة (كلا النص والصورة)، وجميع وسائل الإعلام هي وسائل إعلام مختلطة»، كما يقول و.ج.ت. ميتشل. إذاً، ما يجعل فن الكتب متميّزاً ليس وسائطه، بل تشديده على «الشيئية». فن الكتب يبدّل حال الكتاب، فهو يعقّد العلاقة بين الشكل والمضمون. ما كان يعتبَر ثانوياً يضحي أساسياً، فبعدم خضوعه لنص هو صاحب الامتياز، يعكس فن الكتب الأسس الإيديولوجية للكلمة والصورة ويغدو محطّ الاهتمام. يصبح هو المنتج الثقافي الأوحد الذي ينظَر فيه.

الدفاتر والإلحاح السياسي
أسهم فن الكتب (الدفاتر) في العالم العربي في تحقيق هذه التطورات. ففي قدرته على إرساء «استمرارية مع الأزمنة والثقافات الأخرى»، أصبح فن الكتب وسيلة قوية للتعبير بالنسبة إلى عدد متزايد من الفنانين في المنطقة، ولا سيما منذ هزيمة العرب في حرب حزيران/ يونيو ١٩٦٧ التي أثارت أزمة هوية عميقة وأعادت توجيه الإنتاج الثقافي. وكان الفنانون قد بدأوا بتحدّي النماذج الغربية المهيمنة منذ ما قبل ١٩٦٧. وفي عام ١٩٥١، حاولت جماعة بغداد للفن الحديث التي أسسها كل من جواد سليم (١٩١٩- ١٩٦١)، شاكر حسن آل سعيد (١٩٢٥- ٢٠٠٤) وجبرا إبراهيم جبرا (١٩٢٠- ١٩٩٤)، أن تقيم جسوراً بين تباعدات التراث والحداثة من خلال إنتاج فن نبع من محليّته، وكان في الوقت عينه جزءاً من الممارسات الفنية المعاصرة حول العالم، كما هو مذكور في المانيفستو الفني للمجموعة. وفي ١٩٧١، قام شاكر حسن، الذي كان له أثر هائل في الفن الحديث في المنطقة، كفنانٍ وكناقدٍ فنّي، بتأسيس تجمع «البعد الواحد»، وهو يهدف كما جماعة بغداد إلى إنتاج فن متجذر في التقاليد المحلية، ويركّز على استخدام الكتابة في الفن المعاصر، وهو ميل فني يسمّى عامة بالحروفية. وكما يوضح شاكر حسن في مانيفستو المجموعة، ينصبّ التركيز على فن الكتابة وليس على الخطّ؛ وكلمة «الخطّ» تُستخدم هنا حصراً للإشارة إلى «السطر». لم يهدف تجمع «البعد الواحد» إلى إحياء الماضي المجيد للخط الإسلامي، بالأحرى، كان جزءاً لا يتجزأ من الممارسات الفنية المعاصرة، وتحديداً الفن التجريدي الذي مُنح طابعاً أكثر محليّة عن طريق الاقتباس من التراث العربي - الإسلامي، وغالباً بالعودة إلى الصوفية التي تعزو إلى الأحرف والأرقام العربية معنى مميّزاً. كان شاكر حسن مهتماً بالزمان والمكان المعاصرين له تحديداً، لا بالثقافة النخبوية، بل بالثقافة البصرية الشعبية، مثل الغرافيتي، وبالتالي بالتعبير عن الهموم السياسية. كرسّام غزير الإنتاج، أنتج شاكر حسن عدداً من الكتب (الدفاتر) التي تلقي الضوء على شيئيتها، كما في عمله تجريب، وهو مجلّد وحيد النوع ذو وسائط مختلطة يعود إلى عام ١٩٩٦ (الشكل ١). يذكّر شكل الكتاب بالجريدة، وقد استُخدِمت قصاصات صحف في «الكولاج»، مستدعيةً فكرة التغطية الإعلامية. لكن بعيداً عن قصاصات الصحف، يخلو الكتاب من الكلمات. وتجعل الفجوات المحروقة ماديّته مرئيةً، وفي الوقت عينه، توثّق دمار بغداد في ١٩٩١ خلال حرب الخليج وتحت الضربات العسكرية الأميركية والبريطانية التي استمرت في خلال التسعينيات.

بتمسّكه بشكل الكتاب، يطالب فنّ الكتب المعاصر في العراق بسلطة لا ريب فيها للكتاب، إلا أنه يفصله عن الطابع شبه المقدّس للكلمـة في الثقافة العربية الإسلامية. يتحوّل السرد اللفظي إلى سردٍ بصري، وبالتالي يتحوّل فن الكتب إلى مخزنٍ فني للأجزاء اللفظيـة والبصرية المبعثرة تُشاهَد ويُقرَأ بعضها مع بعــض

يختلف فن الكتب بشكل ملحوظ عن الحروفية بالنسبة إلى الكلمة المكتوبة، فبتحدّيه لكينونته ككتاب يبرِز «شيئيته»، بينما يولي في بعض الأحيان أهمية بسيطة أو معدومة للكلمة المكتوبة. ويمكن فنّ الكتب في العالم العربي أن يبني على تقليد طويل وشديد التفصيل في الثقافة العربية - الإسلامية. ولا يتعلق ذلك فقط بالموقع البارز للقرآن، بل أيضاً بالمكانة الرفيعة للتعليم، دينياً كان أو غير ديني، وبالتالي بالمكانة التي تكتسبها الكتب. كحال القرآن، كان يفترَض بكثير من الكتب أن تقرَأ جهاراً، وتُتلى، كلمةً وصورةً من أجل استعادة نصّ ما إلى الذاكرة. تُعدّ الكتب وغيرها من الأغراض المتعلّقة بإنتاجها واستقبالها، كالخطّ والمنمنمات وملازم الكتب وأدوات الحرفيين، عناصرَ مهمّة في الفن الإسلامي. ويشكّل الإرث العربي - الإسلامي مصدر إلهام للكثير من الفنانين المعاصرين، غير أن الكلام عن فنّ إسلامي حديث أو معاصر هو أمر مضلّل، فحديث كهذا يبالغ بالتركيز على الصلة بالشكل التقليدي، ويثمّن الماضي على حساب الحاضر، ويكون اختزالياً واستشراقياً. الأحرى هنا الالتفات إلى سؤال يطرح نفسه: ما الذي يدفع الفنانين في العالم العربي حاضراً إلى العمل في فن الكتب؟ بحسب ما تطرح هذه المقالة، إن البحث عن الأصالة عبر إعادة الارتباط مع تقاليد الماضي ليس ذا أهمية في تاريخ الفن الحديث في المنطقة، كما يشهد إعلانا «جماعة بغداد» و«تجمع البعد الواحد». الإلحاح السياسي هو ما دفع بالأحرى إلى إنتاج الكتب (الدفاتر). وأقصد بالإلحاح السياسي هنا الوضعَ السياسي الضاغط الذي حثّ الكثير من الفنانين على ترك تسجيل، وبصمة، وبيّنة شخصية، وشهادة، حيثما كان التوثيق لا يزال ممكناً، إذ إنه لطالما كان مهدّداً بالحرب، والاحتلال، والأزمات السياسية والعنف الطائفي.

دور الأرشيف
لوقت طويل، ظلّ مصطلح الوثيقة مرتبطاً بالكلمة المكتوبة فقط. لكن مفهوم مكوّنات الوثيقة أو المادة التاريخية، قد تغيّر بشكل كبير. فمنذ ذلك الحين، اكتسبت المادة المكتوبة، التي كانت تُعتبر في ما مضى هامشية، مثل الأوراق الخاصة والرسائل والمذكّرات وكذلك المادة البصرية، اهتماماً متزايداً. وبالإضافة إلى ذلك، خضع تعريف الأرشيف في حد ذاته لتدقيق كثيف. «ليس السؤال عن مفهوم التعامل مع الماضي هو ما قد يكون تحت تصرفنا أو لا يكون»، بل «سؤال عن المستقبل»، كما يقترح جاك ديريدا في حمّى الأرشيف في «انطباع فرويدي» (لندن، ١٩٩٦)، فيتحوّل الأرشيف إلى عامل فاعل في إنتاج السرد. تماماً مثل المتحف، الذي خضع لتحقيقٍ مماثل، يؤثر الأرشيف في كيفية مقاربتنا وتصوّرنا وسردنا وتفسيرنا للماضي، وبالتالي يُسهم في تشكيل تصورات الهوية.
لقد ازداد الاهتمام بالأرشيف بنحو بارز في الممارسات الفنية المعاصرة. ويقدّم معرض «انويزور» في ٢٠٠٨ في نيويورك، متلازماً مع كاتالوغ مهمّ يحمل عنوان كتاب ديريدا «حمّى الأرشيف: استخدامات الوثيقة في الفن المعاصر»، أمثلة أساسية عن ذلك، من بينها أعمال لفنانين من الشرق الأوسط. وفي ما يخصّ الشرق الأوسط، تتحدث سوزان كوتّر عن «تحوّل وثائقي»، باحثةً في أعمال الفنانَين اللبنانيَّين وليد رعد وأكرم زعتري، وهما فنانان مشمولان في الأرشيف الذي حرّره تشارلز ميرويذر في ٢٠٠٦ ضمن سلسلة وثائق الفن الحديث. وتركّز هذه المطبوعات الثلاث على التصوير والتجهيزات المبنية على الفيلم، وهو فنّ إعلامي غربي وفّر لفنانين غير غربيين ترحيباً حارّاً في سوق الفنّ العالمية التي يهيمِن عليها الغرب.

لماذا يلائم فنّ الكتب جيداً فكرة الأرشيف؟ وأي نوع من الوثيقة يوفّرها فنّ الكتب الحديث في العراق؟ كما تشير دراكّر، «إن فكرة الكتاب كوثيقة هي بالكاد ابتكار فني (...) الشكل النموذجي للكتاب يصلح تماماً ليكون موقعاً لإنتاج تجربة، تقرير أو شهادة». إن الفرق بين الكتاب النموذجي وفنّ الكتب يكمن إذاً في النوعية الوثائقية للغرض ذاته الذي لم يعد يخدم كوِعاء لمحتوى متميز، بل صار بذاته النتاج الأوحد الذي يُنظَر فيه. وبتمسّكه بشكل الكتاب، يطالب فنّ الكتب المعاصر في العراق بسلطة لا ريب فيها للكتاب، إلا أنه يفصله عن الطابع شبه المقدّس للكلمة في الثقافة العربية الإسلامية. يتحوّل السرد اللفظي إلى سردٍ بصري، وبالتالي، يتحوّل فنّ الكتب إلى مخزنٍ فني للأجزاء اللفظية والبصرية المبعثرة تُشاهَد ويُقرَأ بعضها مع بعض. وتشكّل شعارات الجدران بعد الاحتلال الأميركي (٢٠٠٤) للفنان العراقي كريم رسن (مواليد ١٩٦٠) مثالاً جيداً على ذلك (الشكل ٢). إن الوثائق هي سلعٌ مرغوبة وهي، «مثل الأشخاص، لديها حيوات اجتماعية». ويمكن الوثيقة أن تكون رسالة شخصية أو فاتورة فندق أو ملصقاً إعلانياً ذا محتوى سياسي أو تجاري يعتبره كثيرون تافهاً، قبل أن تغدو مؤهّلة كوثيقة، ويمكنها أيضاً في سياق آخر أن تتحوّل إلى عملٍ فنّي. وعلى عكس كتاب الفنان (livre d’artiste) التقليدي، لا يرتبط مجلّد رسن الوحيد من نوعه والمصنوع يدوياً، بأيّ نص أدبي. فالكلمات الوحيدة التي استُخدمَت في الكتاب كانت بعيدةً عن تقليد الخطّ العربي. وفي تشابهها مع الغرافيتي على خلفية تعيد إنتاج جدران بغداد بينما تتكشّف الصفحات، تراوح الكلمات بين تلك المقروءة بوضوح وتلك المرئية بصعوبة، وهي تتضمن شعارات سياسية وتصريحات شخصية وشتائم. وتعبّر الصفحة الافتتاحية عن احتجاج سياسي واضح: «لا للاحتلال» (الشكل ٣). وكما يشرح رسن:
«كنت كل يوم أتجول في شوارع بغداد وجدرانها المليئة بالشعارات غير المألوفة سابقاً لدى البغداديين. إذ كانت تتضمن العديد من الشعارات للأحزاب الجديدة الوافدة التي تندد بالنظام السابق وشعارات أخرى تشيد به وشعارات أخرى غير سياسية تطالب بتوفير مستلزماتها الفردية (توفير المشروبات الروحية) وشتائم والكثير من ذلك. ويصاحب تلك العملية (الكتابة) أيضاً عمليات مسح وإزاحة لكثير من الشعارت التي قد تكون غير مرضية لكثير من الأطراف بالرغم من وجود مساحة أخرى للكتابة. لقد أثارت انتباهي هذه العملية الجديدة وغير المألوفة لكثير من العراقيين الذين اعتادوا لزمن طويل على شعارات الحزب الحاكم».
للكلمات حضورٌ أكبر في النشرة الملصقة على إحدى صفحات الكتاب (الشكل ٤). وتتوجه النشرة إلى الشعب العراقي إثر حرب العراق في ٢٠٠٣. تحت عنوان «بيان إلى الشعب العراقي» في تاريخ ٢٩ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٠٣، وبتوقيع بول بريمر الذي كان يشغل وقتذاك منصب رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، وجلال طالباني بصفته حينها عضو مجلس الحكم العراقي الذي عمل تحت سلطة الائتلاف، تعلن النشرة إعداد دستور جديد وانتخابات. هذه النشرة هي غرضٌ معثور عليه
(objet trouvé) - بعض نسخها انتهت في القمامة، بعضها الآخر أتلفته أيادٍ غاضبة أو الشمس أو العواصف والمطر، أو ببساطة ذبل مع الوقت، وبقيت حفنة منها، أُلصِقت على الجدران، فيما قد تجد نسخٌ منها طريقها يوماً ما إلى الأرشيف لتكتسب النشرة مكانة المادة التاريخية. وهناك نسخة منها أصبحت جزءاً من عمل فني بحيث صارت هي بذاتها بمثابة سجلّ لماضي العراق الحديث. يحدث التوثيق هنا من خلال إعادة الإنتاج (للجدران والغرافيتي التي تحملها) والكولّاج (النشرة على الجدران المُعاد إنتاجها). عندما يتعلق الأمر بالفنّ، يغدو مفهوم «الوثيقة» معقّداً بفعل العلاقة المضطربة بين الواقع والخيال. هل كتاب رسن هو وثيقة «حقيقية»، أم أنه «مجرد» إعادة إنتاج، أم هو عمل من أعمال الخيال، حتّى؟ أليس للنشرة أثر غير حقيقي، منفصل عن الواقع المعيش في بغداد؟ كيف يمكننا دخول هذا الواقع المعيش بطبقاته الكثيرة من التواريخ الذاتية؟ لعلّ افتتاحية كتاب رسن تقرّبنا خطوة.

مذكرات بصرية
لقد اتّخذت الكثير من الكتب شكل مذكرات بصرية، ولعلّها أكثر أنواع الشهادات الشخصية حميميّة. إن «مذكرات حرب الخليج» للفنانَين ساطع هاشم (مواليد ١٩٥٩) وضياء العزّاوي (مواليد ١٩٣٩) اللذين تابعا أحداث حرب الخليج في ١٩٩١ يومياً من منفييهما في السويد والمملكة المتحدة، هي مجلّدات آسرة (الشكلان ٥ و٦). وفيما يضمّ كتاب هاشم تعبيراً لفظياً منفصلاً عن الرسومات: هنا مخلوقات طائرة تستحضر الوحوش الأسطورية والطائرات الأميركية على حدّ سواء، مؤشرةً إلى بدء القصف الجوي للعراق في ١٧ كانون الثاني/ يناير ١٩٩١، تخلو مذكّرة العزّاوي المؤلفة من ثلاثة مجلّدات من أي كلمة مكتوبة. لكن الرسومات بالأسود والأبيض لأناس مكروبين تستدعي الكلمات، لا المكتوبة منها، بل المصروخة الذاهبة أدراج الرياح في وجه العدوان العسكري. يذكّر الكتاب بعجز الكلمة أمام التجربة في التاريخ الحديث. ويشير عنوان الكتاب، «دفتر السواد»، إلى معنيين: «كتاب الخصوبة»، محتفياً بازدهار العراق كهلال خصيب بين الفرات ودجلة، لكن العنوان يعني أيضاً «كتاب الظلام»، في إشارة إلى ماضي العراق القريب والمظلم، الملطّخ بسنوات من الحكم الديكتاتوري والعقوبات الاقتصادية والحرب.

على الرغم من محاولات نظام «البعث» المستمرة للتحكم بالإنتاج الثقـافي، وعلى الرغم من العزلة الدولية للعراق طوال سنوات العقوبات. تمكنت «ثقافة الظل» من الانبثاق على الهامش. وكطريقة للتغلب على رقابة النظام، جرى إنتاج الكثير من الكتب وتوزيعهـا على شكل نسخ مصوّرة - وأقصد هنا الكتب المطبوعة بالمعنى المتعارف عليه، لا فن الكتـب

بصفته جزءاً مما يسمّى جيل الستينيات في العراق، وعضواً مؤسساً في مجموعة «الرؤية الجديدة»، يمكن العزّاوي استعادة خبرة طويلة في العمل في فنّ الكتب. وبكونه رساماً عالمياً، فقد عمل في النحت والتجهيز، وكذلك في التصميم الغرافيكي. وتجتمع هذه الممارسات الفنية معاً في فنّ الكتب خاصّته الذي يتألّف من مجلدات بنسخة وحيدة، وطبعات محدودة قيّمة (قريبة من كتاب الفنان التقليدي livre d’artiste)، ونسخات مطبوعة على طريقة «أوفست»، برمي الحبر. وترتبط نسخ الـ«أوفست» هذه المنتَجة في السبعينيات ارتباطاً وثيقاً بالنشاط السياسي، وتحديداً بالقضية الفلسطينية. وبخلاف مذكّراته عن حرب الخليج، تستبطن كتب العزّاوي في العادة الكلمة المكتوبة المأخوذة من الأدب العربي الكلاسيكي مثل «المعلّقات» أو «ألف ليلة وليلة»، وكذلك من الأدب العربي الحديث الذي ينتجه كتّاب معروفون مثل أدونيس، غسان كنفاني، محمود درويش أو عبد الرحمن منيف. ومن أجل إظهار الإرث العربي - الإسلامي في صناعة الكتب والرسم أكثر، نشر العزّاوي صوراً طبق الأصل عن مخطوطة المقامات من عام ١٢٣٧ للحريري، التي نسخها وزخرفها خطّاط ورسام بغدادي عاش في القرن الثالث عشر هو يحيى الواسطي، الذي يشكّل مصدر إلهام ومرجعيّة لكثير من الفنانين العراقيين، بدءاً بالراحل جواد سليم. وليس العزّاوي أحد أوائل ممارسي فنّ الكتب المعاصر في العالم العربي فحسب، بل هو جامع مهمّ وراعٍ للفن كذلك. ومن خلال ترويجه للفن المعاصر في العراق من منفاه في لندن، شجّع العزّاوي الكثير من الفنانين العراقيين على العمل في فنّ الكتب، مبتاعاً أعمالهم في وقت ندر فيه الدعم والرعاية بسبب سنوات الحصار والحرب الطويلة في البلاد. لقد شكّلت مجموعته أساس معرض «دفاتر: فنّ الكتب العراقي المعاصر» الذي نسّقته ندى شبوط، والذي جال على مدن مختلفة في الولايات المتحدة. ويضمّ المعرض كتباً لفنانين ممّا يسمّى «جيل الستينيات»، مثل شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري، وكذلك لجيل أصغر من الفنانين، يُشار إليهم/ن عادة بجيل الثمانينيات أو التسعينيات، ومن بينهم/ن كريم رسن، نزار يحيى، هناء مال الله، غسان غائب، نديم الكوفي، محمد الشمّري، محمود العبيدي، عمار داود، مؤيّد نعمة، صادق كويش الفراجي، سامر أسامة، فاخر محمد وإبراهيم رشيد.
احتل الفن العراقي صدارة التطوّرات الفنية في العالم العربي بين الخمسينيات والسبعينيات بفضل عدد من الأكاديميات والمتاحف والمجموعات الفنية. واستمرت اندفاعته التجريبية في الثمانينيات، على الرغم من القمع السياسي، والوجود الكلي الطاغي لحزب «البعث»، وتأسيس نظام حكم صدام حسين الديكتاتوري، والحرب العراقية - الإيرانية (١٩٨٠ - ١٩٨٨). وعلى الرغم من محاولات نظام «البعث» المستمرة للتحكم بالإنتاج الثقافي، وعلى الرغم من العزلة الدولية للعراق طوال سنوات العقوبات المفروضة من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والضربات الجوية الأميركية والبريطانية المتواصلة والمرافقة للعزل، تمكنت «ثقافة الظل» من الانبثاق على الهامش. وكطريقة للتغلب على رقابة النظام، جرى إنتاج الكثير من الكتب وتوزيعها على شكل نسخ مصوّرة، وأقصد هنا الكتب المطبوعة بالمعنى المتعارف عليه، لا فن الكتب. لقد غادر العراقَ الكثيرُ من الفنانين والمفكرين العراقيين قبيل حرب الخليج في ١٩٩١، غير أن نزف الأدمغة تفاقم بنحو بارز منذ ذلك الحين. وكما تشرح شبوط، هناك ثلاث مساحات يجب تمييز بعضها عن بعض: داخل العراق، المنفى، وما بين هذا وذاك، أي الأردن الذي شكّل لوقت طويل بوابة العراق إلى العالم والمكان الذي مكّن الفنانين المنفيين جسدياً من البقاء قريبين من العراق بطرق كثيرة. ومنذ حرب ٢٠٠٣ و«سقوط» صدام حسين الذي تجسّده الإطاحة الشهيرة لتمثاله التذكاري في ساحة الفردوس في وسط بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل ٢٠٠٣، تغيّر الوضع كثيراً؛ إذ إنّ النشوة التي توقّعها البعض حلّت هزيلة منذ بدايتها، وسحقها سريعاً واقع الحرب والدمار والعنف الذي بلغ ذروته مع التمرّد في ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦، وهو واقعٌ يستمر بإلقاء ظلاله على الحياة اليومية في بغداد وفي مناطق أخرى من البلاد، ومع القمع الوحشي للثورة في سورية، تفاقم العنف الطائفي مجدداً بنحو ملحوظ. وعلى الرغم من الصعوبات، قام الفنانون العراقيون - في داخل العراق وخارجه وما بينهما - بتطوير ممارسات فنية يتمسّكون من خلالها بحيواتهم وتواريخهم وذكرياتهم وهويّاتهم.

حضارة اليورانيوم
بإنتاجه كتباً هي تحية إلى أساتذته شاكر حسن آل سعيد وإسماعيل فتاح وسعد شاكر، يبني كريم رسن على تجربة جيل الستينيات ليضيف إليها تجربة عصره هو. ورسن، الذي تخرّج من أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في ١٩٨٨ وأقام معرضه المنفرد الأول في أواخر الثمانينيات، عمِل في الرسم، لكنه أنتج أيضاً عدداً كبيراً من الكتب (دفاتر). ويُعنى فنّ الكتب خاصّته كثيراً بتاريخ العراق الحديث، وأثر الحرب والاحتلال وتفاقم العنف الطائفي. واستمرّ رسن بالعيش والعمل في العراق حتى ٢٠٠٥. وعندما هدّد العنف اليومي حياته، غادره إلى الأردن وسورية، ومن ثم إلى كندا. وقد دفعه العيش في المنفى إلى استكشاف وسائط جديدة. ويشكّل فيديو «شهادة ممسوحة» (٢٠٠٧) مثالاً آسراً يجلب إلى الواجهة قصور التعبير اللفظي عن تسجيل الشهادة (الشكل ٧). في الفيديو، يظهر شاب يافع يكتب شهادته على لوح أسود: اسمه الذي يقوم بشطبه، وتاريخ ولادته ومكانها، ومن ثم جملة تفيد بأنه وعائلته قد تلقوا تهديدات المسلّحين. عندما يجلس الشاب ليروي قصّته، تُمحى الشهادة. يبدأ بالكلام من حيث انتهت شهادته المكتوبة، مكرّراً أنه وعائلته قد هُدّدوا من قبل مسلّحين. لكن الصوت ينقطع. يراه المُشاهد/ة متحدّثاً، لكن لا يمكنه/ا سماعَه. ينتهي الفيديو بجملة تعلِم المشاهد/ة بأن «الرجل غادر بغداد مع عائلته إلى بلد مجاور، بعدما تيقّن من أن التهديد كان حقيقياً وخطيراً، تاركاً وراءه بيته، أسرته الكبيرة، أصدقاءه، وذكرياته». وكُتُب رسن هي دفاتر بنسخة وحيدة مصنوعة يدوياً، حتّى إن الورق غالباً ما يكون مصنوعاً يدوياً. وقد عرض المتحف البريطاني كتابَين من أعماله في معرض «كلمة في الفن: فنانو الشرق الأوسط الحديث»، الذي نسّقته فينيشيا بورتر في لندن في ٢٠٠٦ وفي دبي في ٢٠٠٨، والكتابان هما: «حضارة اليورانيوم» (٢٠٠١) و«كتاب الأوفاق» (٢٠٠٣).
كتاب «حضارة اليورانيوم» المُسمّى على اسم رواية الكاتبة العراقية لطيفة الدُلَيمي هو عمل مختلط الوسائط، غير مجلّد، مطبوع على ورق محفوظ داخل صندوق (الشكل ٨). وتقدّم صفحة العنوان المعلومات التالية إلى القارئ/ة/المتفرّج/ة (الشكل ٩) :
«هذه شهادة مكتوبة من خمسة عشر نصاً تشكيلي الموضوع كشاهد عيان حول القصف الأميركي لملجأ العامرية واستخدام اليورانيوم المشبع في القصف. شهادة على الحضارة الجديدة حضارة الإثارة والدمار. حضارة اليورانيوم».
كُتب العنوان والنص بلونٍ أحمرَ يماثل لون الدم. ويتكرر الأحمرُ ذاته مضافاً إليه الأصفر والأسود بضربات ريشة منضدة أو كأنه قد سال على صفحات الكتاب. الخطوط والنقاط، لا الكتابة، تبدو ملحوظة. هي تحدّد حجم الدمار الذي خلّفه اليورانيوم المنضب الموجود في القذائف المضادة للدبابات التي استخدمتها القوات الأميركية والبريطانية خلال حرب الخليج في ١٩٩١، دمار الحيّز المديني وكذلك دمار النسيج الجسماني للمدنيين العراقيين. لقد تعرّض استخدام اليورانيوم المنضب للنقد، ليس على المستوى الدولي فحسب، بل أيضاً في الممارسات الفنية داخل العراق. على سبيل المثال، يصف الروائي والشاعر العراقي نضال القاضي الحياةَ في بغداد بأنها «خليط الخبز بالأرقام، والنفط بالحليب، والأجنّة باليورانيوم المنضب»، ويستحضر «رائحة التفاح» التي خلّفتها السحب السامّة. وفي عملها المشهود «مذكرات بغداد ١٩٩١ - ٢٠٠٢» (لندن، ٢٠٠٣)، تشير الفنانة والكاتبة العراقية نهى الراضي إلى المشكلات الصحية والبيئية الطويلة المدى التي سببها استخدام اليورانيوم المنضب في العراق، والتي تفاقمت خلال حرب العراق في ٢٠٠٣. إنه إرث «حوّل العراق إلى بلد مغزوٍّ بالسرطان». وتتابع: «للسنوات المئة المقبلة، سوف تظلّ آثار اليورانيوم تعيث فساداً في العراق والمناطق المحيطة به». توفّيت الراضي بسرطان الدم في ٢٠٠٤، وهو مرض عزَته إلى استخدام اليورانيوم المنضب في حرب الخليج في ١٩٩١. وتشير الممارسات الفنية مثل «كتابات القاضي والراضي» و«حضارة اليورانيوم» لرسن، إلى الإلحاح السياسي الذي وُلِدت منه، والذي تعرُضُ في الوقت عينه إلى توثيقه ومقاومته.
يشير «كتاب الأوفاق» إلى التقليد الصوفي المتمثّل بالمربعات السحرية. فهو كتاب مختلَط الوسائط ذو تجليد مزدوج، وملفّ على كلا جانبَيه. وفي مركز الكتاب، يتّسم عموده الوسطي بمربّع مفتوح. ويتكرّر المربّع على صفحات الكتاب مع شرائط تعبره بطرق مختلفة، ما يسمح بقراءات متعددة للكتاب فيما يقلّب القارئ/ة/المتفرّج/ة صفحاته (الشكل ١٠). وبخلاف الأحمر القاني كلون الدم والطاغي في «حضارة اليورانيوم»، يطغى على هذا الكتاب أحمر مائل إلى الصفرة كلون النار والطوب والورق المحروق. «كتاب الأوفاق» هو «رد على إحراق وتدمير عدد من المكتبات في بغداد وغيرها من المناطق، والذي وقع بعد وقت قصير من سقوط بغداد بيد القوات الأميركية في نيسان/ أبريل ٢٠٠٣»، كما تشرح بورتر في «كلمة في الفن». وتضيف أنه «بالنسبة إلى الكثير من الناس مثّل إحراق الكتب إلغاءً لتاريخهم». في الوقع، أولِيَ اهتمامٌ ضئيل لتدمير التاريخ الحديث للعراق، ولنهب وتدمير الأرشيفات العامة والمكتبات والمتاحف المختصّة بالفن الحديث. وفي الغرب، تركّز التعبير عن القلق في المقام الأول على تاريخ العراق القديم، وبالتحديد في ما يتعلّق بنهب متحف العراق. «يبدو أن العالم ينسى أن «مهد الحضارات» هو أرض لبلاد معاصرة ذات ثقافة مزدهرة»، تستخلص شبوط. وكما يشير آخرون عند الحديث عن التطهير الثقافي في العراق، فإن إدارة بوش قد خَلَقَت في العراق عمداً شروطاً «تسمح بالتدمير الثقافي للعراق». كيف يمكن الحفاظ على تاريخ العراق الحديث، في وقت تضيع فيه الموادّ التاريخية التي توثّقه، وهي موادّ تراكمت على مدى سنوات عديدة ضمن مجموعات عامّة وخاصّة؟
في كتابه «بيتي كان هنا» (٢٠٠٧)، يعود رسن إلى هذا السؤال. ففي أثناء عيشه في منفاه في دمشق، عَلِم رسن بأن انفجاراً قد ضرب منزله في بغداد. في «بيتي كان هنا»، لا يحاول رسن إعادة بناء ما كان هناك، أي تاريخه الشخصي، بل بالأحرى، كما في الكتب الواردة أعلاه، هو يُظهر الدمار - الجدران المُهملة المغطاة بالغرافيتي، والثقوب المحروقة والمواضع البيضاء - الذي يهدّد بالاستيلاء على ذاكرته وهويته؛ إذ يمحو كل نقاط التوجّه. وكما في «كتاب الأوفاق»، يتفتّح الكتاب من نقاط مختلفة، جاعلاً نقطة بداية القراءة غير واضحة، كما لو كان المرء يرفع الأنقاض التي خلّفتها الحرب (الشكل ١١).

العنف والدمار في الشكل والمضمون
يحمل فنّ الكتب الذي أنتجه كريم رسن بصمة العنف والدمار الذي يوثّقه. وبكونه النتاج الوحيد الذي يُنظَر فيه، يكتسب الغرض في ذاته طابعاً وثائقياً. كذلك الحال، قامت هناء مال الله عمداً بـتخريب أجزاء من الصفحات في كتابها منطق الطير (٢٠٠٧) الذي عُرض في معرض «كلمة في الفن» في المتحف البريطاني (الشكلان ١٢- ١٣). ويدمج هذا المجلّد المصنوع يدوياً والصادر في داخل صندوق، أجزاءً من القصة المجازية للشاعر الصوفي فريد الدين عطار من القرن الثالث عشر، التي تروي قصة مجموعة من الطيور تبحث عن ملكها (بمعنى آخر، الله) الذي تراه في النهاية في صورة انعكاساتها الذاتية. وكما تشرح مال الله، إن شقّ أوجه الورق وإحراقها لم يسمحا لها فقط بتسهيل «احتمال التحليلات المتعددة للوجه الواحد»، بل أيضاً باستدعاء «مشاهد المخطوطات المُتلَفة في بغداد والذي وقع خلال الحرب على العراق في عام ٢٠٠٣ والاحتلال لاحقاً». والنتيجة هي كتاب جميل ولكن شديد الهشاشة بحيث يمنح القارئ/ة/المتفرّج/ة فكرةً عن أهمية المخطوطات، وكذلك عن تدمير إرث العراق الثقافي. وقد درست مال الله وعملت مع شاكر حسن آل سعيد في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وبقيت في بلدها حتى عام ٢٠٠٧، وهي تعيش حالياً في لندن. وأنتجت مال الله عدداً من الكتب التي تتغذى من تاريخ العراق، العربي - الإسلامي منه، والتاريخ القديم لبلاد ما بين النهرين أيضاً. وتقيم هذه الكتب حوارات مع تاريخ العراق وتقدّم قراءات جديدة له، مستدعيةً إياه إلى الحاضر. ويشكل عملها «الإله مردوخ» (٢٠٠٨) مثالاً آسراً، إذ يسمح بعدد من القراءات المختلفة فيما تتفتّح صفحاته بطرقٍ كثيرة (الشكل ١٤)، وقد عُرض في معرض «ماضي العراق يتكلم مع حاضره» في المتحف البريطاني في ٢٠٠٨. أما هيمت محمد علي (مواليد ١٩٦٠) الذي أنتج عدداً كبيراً من الدفاتر ويعيش في باريس منذ ١٩٩١، فهو يستلهم من تاريخ العراق ومن تراث المخطوطات العربية تحديداً. وفي الوقت عينه، يوثّق علي تاريخ العراق الحديث، كما في عمله «شارع المتنبّي بغداد» (٢٠٠٨) الذي يتألّف من اثني عشر دفتراً مصنوعاً يدوياً وموضوعاً في داخل صندوق (الشكل ١٥). وكان شارع المتنبّي في بغداد يشكّل محور الحياة الثقافية، وقد احتضن عدداً من المطابع ومحالّ بيع الكتب. ويستخدم هيمت صوراً مقصوصة من المجلات والصحف، وكذلك مخطوطات وكتباً مُتلَفة، مرسوماً عليها، ملوّنةً ومغطاةً ببقع سوداء وحمراء. وتشير كتبه إلى تدمير شارع المتنبّي في آذار/ مارس ٢٠٠٧، حينما قَتلَت سيارةٌ مفخّخةٌ أكثر من ثلاثين شخصاً وأحرقت المطابع ومحالّ بيع الكتب (الشكلان ١٦- ١٧).
وفي «يوم دمار بغداد» (٢٠٠٣) لنزار يحيى، جلّ ما يبقى من بغداد ومن الكتاب كذلك، هو السواد وكومة من الصور المحطّمة في صندوق (الشكل ١٨). وقد درس يحيى (مواليد ١٩٦٣) في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد أيضاً، ثم غادر إلى الأردن، وهو يعيش اليوم في الولايات المتحدة. وتستحضر الصفحات المسودّة الموصولة بالصندوق، التاريخَ الحديثَ المظلِم للعراق، مظلِمٌ كما في عنوان مذكّرات العزّاوي البصرية الواردة أعلاه. ويرمز الصندوق نفسه إلى «مخبأ مقصوفٍ مغطّى بالغبار، وشظايا الزجاج والفخار». ويتحدّث الكتاب عن معاناة الإنسان والخسارة، ويُبرز ضرورة توثيق الحياة في العراق قبل فوات الأوان، ويشدّد على الحاجة إلى أن يبقى شيء ما - حتى ولو كان ذلك صوراً محطّمة - لمواجهة العنف والدمار المطلَقَين اللذين سبّبتهما الحرب في العراق.

خلاصة
لقد ركّزتُ في هذا المقال على الكتاب كوثيقة في العراق، وعلى كتب كريم رسن بالتحديد. وقد أكون خلقت انطباعاً بأنّ فنّ الكتب هو ظاهرة عراقية فريدة، في حين أنه في الواقع موجود بمظاهره المختلفة في أرجاء العالم العربي. إلا أن فكرة الكتاب كوثيقة قد نالت الزخم في العراق نتيجة الإلحاح السياسي الذي ولد فنّ الكتب في خضمّه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حجم الكتاب الصغير نسبياً، وقابليته للحمل والتخزين بسهولة، يُوافقان عملَ وشروطَ حياة الكثير من الفنانين العراقيين الذين بعيشهم خارج العراق، في المنفى، أو ما بين الداخل والخارج، لم يمتلِكوا الوسائل للعمل على مشاريع واسعة النطاق. وبالنسبة إلى كثرٍ ممن يعيشون في العراق، لم يكن وارداً استخدامُ الوسائط كالطباعة والتصوير والفيديو، لأنها ببساطةٍ لم تكن متوافرة. وأخيراً وليس آخراً، لقد شكّل فن الكتب وسيلة اضطرارية للتعبير الفني في العراق، كما يشرح رسن، إذ إنه يسمح للفنان ببناء سيناريو:
«في منتصف فترة التسعينيات، كانت لدي حاجات ملحة للتعبير عن الكثير من المشكلات الفنية والإنسانية، وخصوصاً أن اللوحة التقليدية لا تلبي تلك الحاجات في كثير من الأحيان، ولا سيما أن هناك الكثير من المشاكل والضغوطات التي كنت أعيشها داخل بغداد، منها الحصار الاقتصادي وتبعاته ووصول البلاد إلى الهاوية السياسية (...) فالدفتر من الممكن أن يصمم وفق فكرة ما أو موضوع، وبطياته يمكن عمل سيناريو أو صفحات متتالية لموضوع لا يمكن اللوحة التقليدية أن توصله إلى المتلقي».
وعلى مدى صفحات متعاقبة، تمنحنا الكتبُ رؤىً، ورواية بصرية تسبر أغوار تاريخ العراق الحديث، إذا ما فتحناها وأعرناها الاهتمام الذي تتطلّبه. وفي العادة، تطغى على قصص الكتب التغطيةُ الاعلاميةُ المهيمِنة على العراق، التي تركّز على الأحداث والسيارات المفخّخة وعدد القتلى، لكنّها نادراً ما تمنح الاهتمام للحياة اليومية في العراق، حيث تتجلّى المأساة. في حواره مع هانس هاكّ، يعرّف بيار بورديو «الفنانَ» في مقابل «الصحافي» كما يأتي:
«الفنان هو الشخص القادر على خَلق الإحساس، وهذا لا يعني أن يكون حسّياً، كبهلوانات التلفزيون، بل، بالمعنى الأقوى للمصطلح، أن يَطرَح على مستوى الإحساس، أي التأثير في الحسّ، وتحريك الناس. تحليلات كان يمكنها أن تترك القارئ/ة أو المشاهد/ة غير مبالٍ/مباليةً إذا ما عُبّرَ عنها بصرامة الفكر والشرح الباردة».
وكما تُظهر الأمثلة الواردة أعلاه، فإن الفنانين العراقيين المعاصرين قادرون على خلق الإحساس وفق تعبير بورديو، مؤثّرين في الحسّ ومحرّكين القارئ/ة/المشاهد/ة من خلال فنّ الكتب خاصّتهم الذي يوثّق تاريخ العراق الحديث المظلِم، لكنه يُظهر في الوقت عينه الجمالَ كممارسة فنية - أي إنه بكلمات سنان أنطون، «يبلوِر ببراعةٍ أسى الموت والدمار، لكن أيضاً جمال الفن الذي يتعذّر شرحه». لقد استطاعت كتب (دفاتر) الفنانين العراقيين أن تكون شاهدة على تاريخ العراق الحديث قبل أن يدمر، وأن توثق الحاضر المظلم بشكل يؤثر في أحاسيسنا من خلال هشاشة الجمال وقوته.

ملاحظة: هذه نسخة معدلة ومنقّحة من مقالي المنشور في «تاريخ الفن» ٣٥.٤ (٢٠١٢) Art History.
وأتوجّه بالشكر إلى الفنانين المُعاد نشر أعمالهم لمساعدتهم السخية لي في الحصول على الصور.

العدد السابع - شتاء ٢٠١٤
العنف والدمار في الشكل والمضمون

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.