العدد ٣٦ - ٢٠٢٣

كشكول في سنّ الـ٩٦

كلمة كشكول هي اسم وجمعُها كشاكِل؛ وهو دفتر التلميذ (رحم الله الوالد، خرّيج «مكتب عنبر»، فقد كان يسمّيه سفينة) أو مجموعة الأوراق البيضاء، سادة أو مسطّرة، مغلّفة بورق مقوّى، أو في ملف «كلاسور»؛ ما يشكل كشكولَ المحاضرات لمختلف المواد الدراسية. وعلى هامش الكلام، هناك أيضًا «كشكولُ المتسوّل»، وهو وعاءٌ يُجمع فيه ما يُتصدَّق به عليه.

في أول مرةٍ صادفتُ هذه الكلمة، كنتُ يافعًا وفي السنوات التكميلية من الدراسة. كانت مذكورةً في كتابٍ داخل مكتبة جدي لأمي، أحمد علبي، ومكتوبةً بهذا الشكل: «الكشكول» بأحرف مرتبطة ببعضها البعض بزوايا قائمة. وكان في الكتاب خطٌّ أفقي وعلى جوانبه خطٌّ مائلٌ وهو، على ما يبدو، تعليقٌ على مضمون الخط الأفقي. كشكولُنا إذًا الذي نحن بصدد الحديث عنه، مجموعة كتابات متنوعة، أو كما يُقال «من كل وادٍ عصا».

متنوع رقم ١: «فراشات التهنئة»

وهي «فراشات التهنئة» الموسكوبيات، الآنسات اللواتي نجحن نجاحًا باهرًا في الدفاع عن أطروحتي في الدكتوراه، أي كامل أصوات اللجنة المولجة بالإشراف على المناقشة؛ وهذا دليل على الإيجابية. كان في يد كلّ واحدةٍ من «الفراشات الموسكوبيّات» وردةٌ أو وردتان وربما ثلاث، وكنّ يتزاحمن على تهنئتي بالعناق والتقبيل.

الغريب في الأمر أنّي لم أعرف سوى واحدةٍ منهنّ أو اثنتين وربما ثلاث (كنّ حوالي ثماني آنسات). أما الباقيات فهل هنّ من كرسي التخطيط؟ لا أظنّ. أو ربما من كلية الاقتصاد السياسي؟ لا أعلم. لكن ما أعلمه أنّ الأمر كان مفرحًا للغاية بالنسبة لي.

الواقع، أنه قدَرُ المميزين، فبعضُ الأساتذة وبعض من في الإدارة، لم يصدّقوا أنّ طالبًا في السابعة والثلاثين من العمر توجّه إلى روسيا لتعلّم لغتها الصعبة ودراسة المواد المقررة للدراسات العليا وكتابة أطروحة دكتوراه ، وكانوا أحيانًا، لعدم تصديقهم، يطلبون رؤية جواز سفري. وهنا أعتذر للحديث عن نفسي، لكنها حادثة مثيرة للانتباه ليس إلّا، كما أنها مكافَأةُ النجاح، وفي الوقت نفسه دليلٌ على طيبة هذا الشعب الذي هل يمكن يا ترى أن يعود إلى ما كان عليه سابقًا؟!

bid36_p139.jpg


موسكو، ١٩٥٤.

متنوع رقم ٢: بين الفودكا والمرأة

الواقع أنّ الروسي لا يقبل الاختيار بين زجاجة الفودكا والمرأة. يقول: «كلاهما معًا، فهما يتمّمان بعضهما البعض». ما هذا العشق للفودكا حتى لا يتخلّى الروسيّ عنها ويختار المرأة؟ لا بدّ أنّ للأمر سببًا تاريخيًّا- اقتصاديًّا- اجتماعيًّا هامًّا. وهو في رأينا المتواضع قد يكون عدمَ البحبوحة وربما حتى القلّةَ في الحياة، أو ربما هو سببٌ مرتبط بالتربية وربما أمرٌ آخر. لا أعلم.

يبدو أننا نحتاج إلى فرويد جديد لتفسير هذه الظاهرة.

متنوع رقم ٣: بكيتُ من البرد على قمة صنين!

كنتُ حينها أبلغ حوالي الثلاثين من العمر، وقد درجتُ على الذهاب آخر كلّ أسبوع للتعرّف على مختلف أنحاء الوطن، لبنان. عند الساعة الثالثة فجرًا، صعدتُ إلى قمة جبل صنين رفقةَ شفيق منيمة، يرحمه الله، والذي أصبح لاحقًا أمين عام مجلس الوزراء؛ وابن صاحب الفندق الذي نزلنا فيه، والذي أعتذر لنسيان اسمه، وربما رافقَنا أيضًا عدنان فرشوخ. كان ذلك خلال فصل الصيف، في شهر تموز/ يوليو أو آب/ أغسطس. لم أعد أذكر بالضبط. وكان دليلنا ابنُ صاحب الفندق. قبل الوصول إلى القمة، ألقى أحدُ الطفّار علينا تحية الصباح فرددنا بالمثل. ثم سألَنا إنْ كان معنا سلاح فأجبت بالنفي، أما ابن صاحب الفندق فقال: «نعم» واستلّ مسدسًا معلّقًا على خصره وأخرج الرصاصات منه ثم قدّمه للطفّار تلبيةً لطلبه. عندها سألت: «لماذا أفرغتَه»؟ فردّ الطفّار «لأنه ابن جرد».

لمّا وصلنا إلى القمة، كانت هناك ريحٌ عاتية والبردُ يقصّ المسمار، كما يقال. بدأتُ أرتجف وأخذتُ أبكي. اضطررت إلى نزول القمّة حوالي ٥٠ مترًا ريثما أشرقت الشمس وأدفأت الجو، وعاودتُ الصعود ثانيةً، فإذا بي أمام منظرٍ لا مثيل له يعجز الكلام عن وصفه باستثناء ربما كلام ريشة فنانٍ تشكيلي بارع. ولا قدرة لي أيضًا على وصف الشعور الذي انتابني حينها، والذي من دون شكّ تعبّر عنه الموسيقى بأفضل من الكلام.

متنوع رقم ٤: أمان أيام زمان!

كانت الشوارع والزواريب مرائب للسيارات. في الزاروب الذي صار يُدعى «زاروب العُلَبي»، على ما يبدو بسبب وجود ثلاثة عقارات تعود ملكيّتها للعائلة- والذي نأمل أن يصبح شارعًا- كان أحدُهم يسند إلى حائط بناء دراجةً ناريةً ضخمةً وفخمةً ولا يخشى سرقتها.

كان عاملُ التنظيفات الذي يجمع القمامة من المنازل يُفرغ تنكةَ النفايات في كيسٍ سميكٍ يحمله على ظهره. لم تكن قد ظهرت بعد أكياس النايلون، لا سيما الكبيرة. وعندما يبدأ عمله في الصباح الباكر، كنّا، تفاديًا للإزعاج، نترك له باب البيت مفتوحًا، ولم نكن نخشى السرقة .

وفي إحدى المرات ذهبتُ مع والدي إلى مقهًى قريب كي نملأ إبريق الفخار بالماء. تركنا باب دكّاننا مشرّعًا وقد وضع والدي فقط كرسيًّا في وسطه. ذهبنا وعدنا غير خائفين من السرقة.

بعض العائلات كانت تترك مفاتيح البيوت فوق حاجب الباب أو أسفل الفرشاة- الدعسة أمام عتبة الباب. بيت عمّتي أم سامي من تلك العائلات. ابنة أم سامي الوحيدة تزوّجت وبقي معها في البيت لفترة من الزمن أولادها الشبّان الخمسة. كان واحدهم إذا أراد دخول المنزل المقفل، يرفع يده لالتقاط مفتاح الغال الصغير للباب من فوق حاجب الباب الخشبي، والمزيّن وسطع الأعلى بالحديد بزينة دائرية وزجّاج محجّر؛ أو يقلب الدعسة كي يستلّ المفتاح من تحتها.

يا هل ترى تعود هذه الأيام؟!

متنوع رقم ٥: من خبايا السيرة الذاتية

Maladroit:
هو من لا يحسن التصرف، وربما يسيء التصرف. هذا أنا في علاقتي مع الجنس اللطيف وفي التعامل مع الناس.(*)

في بيروت، قبل الذهاب إلى موسكو، وكنتُ قد تركتُ التجارة وعدتُ إلى الدرس والتدريس مع القليل من التجارة، وبينما أنا متوجهٌ صباحًا إلى «الليسيه»، كنتُ ألتقي بفتاةٍ رصينة وأنيقة، ولم يبدُ أنها كانت تنظر إليّ وهي تدخل الثانوية الرسمية قرب بيتنا.

خلال دراسة الإجازة في التاريخ، فاتَحني شابّ في منتهى اللطف هناك، أنّ تلك الفتاة تودّ التعرف إليّ. وبالفعل، حضرتْ معه في اليوم التالي، وبلباسٍ مختلف عن ذاك الذي كانت ترتديه للثانوية. قالت لي إنها تذهب إلى مسبح الحمّام العسكري، فأجبتها «وأنا أيضًا، لكني الآن لا أستطيع الذهاب بسبب الامتحانات التي لا تنتهي قبل أسبوعين»، مع أني قليلًا ما أذهب إلى هناك، ولمدة ساعةٍ على الأكثر. وبما أني أسيء التصرف مع الجنس اللطيف، لم أدعها إلى مكانٍ ما للاحتفال بالتعارف، وقد كان الوقت حينها مناسبًا. قالت: «أنا سأذهب»، فأجبت «طيب» معقول هذا الغباء! لم يخطر ببالي أن نتبادل أرقام الهاتف مثلًا. أنا أتلبّك! في النهاية، لم أنزل إلى الحمّام العسكري، ونسيتُها، ومن دون شكّ نسيَتني، لا سيما أني كنتُ أتحضر للسفر إلى موسكو.

لم أتعلّم من تلك التجربة ولم أتقدّم في الطريق الصحيح. في موسكو، حصلت معي حادثة ثانية. بينما كان الأوتوبيس يتقدّم كالسلحفاة، قلتُ على الملأ قاصدًا أن تسمعني فتاةٌ أمامي: «الأفضل أن يتمشّى الإنسان». وبالفعل، نزلتُ من الأوتوبيس ونزلت هي أيضًا. عندها اقترحتُ عليها الذهاب إلى «بارك غوركي» للتنزّه ثم طلبتُ منها أن ندخل إلى المقهى القريب منّا، لاسيما أني كنتُ قد قبضت يومها المنحةَ الدراسية الشهرية.

كنت قد حضّرت نفسي كي أعترف لها بإعجابي، لكني لم أفعل. ماذا كانت النتيجة؟ لا سيّما أنها كررت السؤال عن سبب دعوتي لها. وبرغم ذلك، لم أفهم مقصدها ولم أنطق بما حضّرتُه. أخذَت رقمَ هاتفي لكنّها لم تعطِني رقم هاتفها، وقالت إنها ستّتصل بي ولم تفعل، والحق معها. أين تبخّرت الكلمةُ اللطيفة «أعجبتِني» أو أيُّ إشارة إلى ذلك؟ مجددًا، غباء وسوء تصرّف، بحيث تذكرت ما يقال عن جان جاك روسّو بأنه «دبّ اجتماعي»، مع بُعد التشبيه طبعًا به، لما فيه من علوّ كعب فكري- أدبي- ثوري.

أثناء العمل في التجارة، كنا مجموعة شبابٍ ننظم بعد ظهر كل أحد، من الثالثة حتى العاشرة مساءً، حفلات رقص، لكن ليس بانتظامٍ دائم. قال لي أحدُ أفراد المجموعة بلطف «يا عاطف، لولا أنك تجيد الرقص لما بقيت معك فتاة. يقولون إنك لا تعرف أن تسلّيهنّ وتلاعبهن». والواقع، أنّ أحدًا لم يكن يعرف ما كان يجري في داخلي من صراع لأجل ترك التجارة والعودة إلى الدرس والتدريس.

وفي إحدى تلك الحفلات، دعوتُ فتاةً للرقص، وكانت قد شاهدتني أرقص مع غيرها. استأذنَتْ لدقيقة كي تخلع حذاءها ذا الكعب العالي. أردتُ أن أفعل مثلها فقالت أنْ لا لزوم لذلك. ورقصَتْ معي حافية القدمين ولكن بجوربَين لأنّ الطقس كان باردًا في فصل الشتاء. وفي إحدى المرات، حاولتُ مغازلة فتاة كنت أرقص معها وكانت تضع نظارتين شمسية على عينيها، فقلت لها: «عندما يكون للإنسان عينان جميلتان لا يضع نظارات سوداء». فأجابتني «يا ويلي» وخلعت نظّارتيها وإذ بعينيها متورّمتان وحولهما بقعتان سوداوان. ألم يكن السكوت أفضل وأسلم عاقبة ممّا حصل؟!

وبما أنّ الشيء بالشيء يذكَر، عندما كنتُ في حوالي الثمانين من العمر، وبعد سهرة عشاءٍ مع رقص، طلبت مني زوجتا صديقين عزيزين أن أعلّمهما الرقص. وبالنسبة لي، الرقص من زينة الحياة الدنيا لأنه يكون مصحوبًا بالموسيقى، التي هي أرفع الفنون ولا يعلو عليها فنّ، وتُعتبر اللغة العالمية قبل اللغة العالمية المقترحة «اسبرانتو». لكن، لسوء حظي أو حظهما لا أدري، أصبتُ بـ«ديسك» أثّر على رجْلي اليسرى حيث يوجد ورك اصطناعي، وقد أصبحت أستعمل عكازًا خاصًّا للمشي.

قبل ذلك بعقود كان الأمر مختلفًا. خلال سنتي الأولى في جامعة موسكو الحكومية، جامعة «لومونوسوڤ»، واختصارها MGU، رقصتُ في بهو الجامعة الفسيح مع إحدى الصبايا على أنغام موسيقى صاخبة. عندما انتهت الرقصة، تقدّم مني أستاذ اللغة الروسية وطلب مني أن أراقص زوجته. انحنيتُ أمامها وطلبت يدها للرقص. وعندما أنهينا، شكرتْني فقبّلتُ يدها.

وطالما يتعلق الأمر بالخبايا، لا بدّ من ذكر أني بالنسبة للبعض متشاوف، لكن بالنسبة لي هي تهمة في غير محلّها وأمر يسيء إليّ وإلى عائلتي في تربيتها لأولادها المفعمة بالتواضع والعرفان بالجميل.

قال لي أحدُهم «ربما يعود الاتهام بالتشاوف إلى أنّ جسمك لبّيس، أي أنّ كل ما ترتديه يليق بك، وأنك دائمًا في منتهى الأناقة؛ الأمر الذي يضفي عليك جوًّا من الجخّ، كما يقولون بالمحكية، شيئًا من الهيبة، أو بالأحرى «شِيكْ» Chic، لكن ليس التشاوف».

الواقع أنّ تهمة التشاوف أُطلقت عليّ أولًا في صف البكالوريا من قبل شخصٍ فارق الحياة، وثانيًا أثناء العمل في التجارة، وأيضًا من قِبل إحدى السيدات عندما سكنتُ في بنايةٍ بشارع محمد الحوت؛ ومن النقاط التي أسهمت في لصق الصفة بي أني كنتُ أضع نظارات طبية سوداء اللون خلال الصيف وأيام الصحو. يُضاف إلى ذلك ربما ما كانت تقوله أمي للجميع: أني جميل واسمٌ على مسمى «عاطف عطوف» (عذرًا، فالقرد بعين أمه غزال). والدليل على ذلك أنني عندما كنتُ في موسكو برفقة إحدى الصديقات، طلبت منها آنسة تعرفها، ولمرّتين، أن تقبّلني. كما أنّ إحداهنّ، وكنا قد أمضينا سهرة رأس السنة في الجامعة بموسكو، عندما اصطحبتها إلى منزلها في اليوم التالي دعت اثنتين من جيرانها الصديقات للتعرف إليّ.

صدقًا، هذا ما حصل من دون مبالغة. وعذرًا عمّا أقول، لأنّ مادحَ نفسِه يذمّه الناس، أما أنا فناقلُ وقائع ليس إلا. وقد ذكرتُ ما ذكرت لأنه إيجابي بحق نفسي للتعويض ربما عن سوء التصرف. فهل تمّ هذا التعويض؟ لا أدري، وأترك للقارئ الكريم الحكم على ذلك. وهنا، يحضرني الأديب والكاتب المسرحي الروسي الكبير أنطون تشيخوف الذي يقول ما معناه إنّ على الإنسان أن يكون نظيفًا في داخله وكذلك في مظهره الخارجي. وهل يتجسد ذلك بغير النظافة والملبس الأنيق المغلّفَين بالثقافة العامة رفيعة المستوى؟

وممّا تساءلتُ أيضًا: هل يطرد الغناء الخوف من الظلمة؟

كان ذلك خلال فصل الصيف في منطقة الباروك، حيث اصطفنا مرّة، أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان طرف الجبل، وبرغم ضوء القمر، يرمي بظلّه على الطريق فتُظلم. فكنتُ في طريق العودة بمفردي ليلًا أغنّي بصوتٍ جهوري، كي أطرد الوحشة من الظلمة. فهل صحيح أن الغناء يطرد الخوف من الظلمة؟

متنوع رقم ٦: من خبايا السيرة الأُسرية

١. قالت لي الوالدة مرةً إن الهاتف يرنّ ليلًا ويبدأ شابّ بمغازلتها. قلتُ لها إن هذا من دون شك موظف الهاتف، فأجابت إنها أفهمته غير مرة أنها لست شابّة وأنّها مثل أمه، وحتى أكبر منها سنًّا، حتى ارتدع في النهاية وتوقف عن فعلته: مغازلة الوالدة!
٢. كانت حفيدتي رشا خلال مرحلة الثانوية تدرس على أنغام الموسيقى الإيقاعية الصاخبة مع الغناء وهي ترقص. هل يمكن فهم ذلك؟ سابقًا على أيامنا كان هذا الأمر مستحيلًا، على ما يبدو لي، أما اليوم فلم يعد هناك من مستحيل. لقد حُذفت هذه الكلمة من القاموس، بعد البركان العاصف من تكنولوجيا العصر الذي نعيش، وتغيرت أمزجةُ الناس جرّاء ذلك أيضًا.

أصبحت رشا في سنتها الجامعية الثانية، وهي تدرس الهندسة المعمارية. سألتُ أباها سهيل، ابني أبو عاطف، عن استمرارها حتى اليوم في هذه العادة فقال «أحيانًا لأن الأمر يتوقف على نوعية المادة في منهاج الدراسة الجامعية». أما هي فلمّا سألتها كررت أقوال والدها. بالمناسبة، الحديث مع ابني وابنته يجري مكالمةً عبر الهاتف عبر «واتساب» مع مدينة كيبيك في كندا، حيث هما مع الوالدة أماني وشقيقتها روان وشقيقها عاطف. أدام الله الجميع في صحة ووئام وعافية وسلام.

متنوع رقم ٧: متنوعات لبنانية

١. عصر العنب بالأرجل مع الغناء لصنع الدبس العنبي

منظر رائع رأيته مرةً واحدةً في حياتي، وكان لديّ شعور، ولا يزال، بأنه لن يتكرر، لأنه لم يعد موجودًا، حسبما أظنّ. في قريةٍ غير بعيدةٍ عن رويسات صوفر، لم أعد أذكر اسمها، خمسة أو ستة رجالٍ أشداء ممسكين بحبلٍ وظهورهم إلى حائطٍ وهم حفاة يعصرون العنب بأقدامهم في جرنٍ مستطيلٍ لا يتجاوز عرضه نصف المتر. وهذا الجرن المستطيل مثقوبٌ إلى جرنٍ آخر، أدنى منه، يُجمع فيه العصير العنبي، الذي يُغلى ويعطي الدبس العنبي ذا اللون الأشقر الغامق، والذي لا ألذّ من طعمه، لاسيما عندما يُخلط بالسمن الحموي (المفقود اليوم مع الأسف الشديد؛) أو يُمدّد طبقةً غير سميكة على الحليب بالرز غير المحلّى.

بيتُ القصيد هو الغناءُ الذي يصاحب عصير العنب بالأقدام الحافية، والصولو بينهم رجلٌ رقبتُه ممدودةٌ وحمراء وصوتُه جهوريّ يصدح بالأغاني الجبلية التي تجلب الراحة والهدوء والمحبة إلى الناس. كان منظر الصولو مع الكورس وهم يغنّون ويعصرون العنب بأقدامهم الحافية جديرًا بالتصوير الفوتوغرافي، لكن للأسف، لم تكن معي آلة تصوير. بل هذا المشهد الذي لا مثيل له، كان يُفترض أن يُصوَّر سينمائيًّا، ولو بالتصوير السينمائي الصامت آنذاك (منذ حوالي ٨٥ عامًا) ومن ثمّ يتمّ التعليق عليه لاحقًا، وذلك بهدف حفظ التراث الفلكلوري الآخذ بالانقراض على ما يبدو.

٢. قاهر الإعاقة بالشعر والإنشاد

ولكن من هو هذا الصولو؟ إنه شاعرٌ شعبي، ذراعه اليسرى مقطوعة من أسفل الكتف بقليل، وتحت إبط الذراع المقطوعة مجموعةٌ مرصوصةٌ من كراريس صغيرة من الأشعار الشعبية التي ينشدها. وكان ثمن الكراس ٥ أو ١٠ قروش لا أكثر على ما أذكر.

هو قاهر الإعاقة بشِعره وإنشادِه بحنجرة تبين شرايينها من قوة الصوت. وهذا المشهد حصل في سوق سرسق الشعبي على ما أذكر.

وفي ما يلي بضعة أبيات شعرية بقيت في الذاكرة ممّا كان ينشد:

حوّا هي أصل السبب    والواسطة كانت تفاحة
لو ما تطعميها لآدم    كانت العالم مرتاحة
وكنا عايشين بالجنة    أحسن ما يكون أحسن ما يكون

٣. الحاوي المصري

إنه بالع السيوف ومخرج شفرات حلاقة في خيط طويل من فمه وضارب شيش بين خدّيه وفي بطنه ومصعِّد المعزاة على بكرات كبيرة، وغير ذلك من الأمور. وهو يقدّم عرضه هذا أمام ساحة جامع ليس كبيرًا، لم أعد أذكر اسمه، بالقرب من مبنى بلدية بيروت الممتازة؛ ومعه بالطبع سعدان يرقّصه على الدفّ. عند انتهاء العرض كان يقول: «البخيل هو الذي يهرب» بينما يدور على الجمع الملتفّ حوله على شكل دائرة، ليجمع في الدفّ القروش.

هذا المنظر كان أيضًا يستحقّ التصوير الفوتوغرافي وحتى السينمائي؛ لكن أيضًا لم يكن معي أداةٌ لتوثيقه. هي مشاهد تستحق التخليد في الذاكرة الشعبية للبنان، خصوصًا المشهدين الأوّلين كونهما لبنانيين في الصميم.

متنوع رقم ٨: مناظر غريبة عجيبة؟!

١. خلال مؤتمر عُقد في إحدى قاعات جامعة موسكو للدولة، كان هناك شابّ بكامل لباسه: طقم كامل وربطة عنق ومع ذلك، كان يمشي حافي القدمين على الرخام في فصل الشتاء. ما الحكمة من ذلك؟ قال البعض من أجل امتصاص الكهرباء من الأرض!
٢. في لبنان شخصٌ أعرفه لا يقص أظافر أصابع قدميه منذ سنين. ما فائدة ذلك؟ هناك هراء عن القوة الجنسية التي يكتسبها من ذلك. يرحمه الله فقد أصبح في العالم الآخر.
٣. أكياس خيش مليئة بالكتب مرمية قرب مكب نفايات!
يا للعجب العجاب! أهكذا ينتهي حال الكتب عندنا في لبنان؟ شخصيًّا، أخذتُ من كرتونة كتب مرمية قرب مطعم بيتزا في شارع الاستقلال ثلاثةَ كتب، وكان هناك كتبٌ أخرى جيدة غير أني لم أقدر على حملها.
٤. فتاة تعمل بأصابع قدميها لأنها مقطوعة الكفّين. تضّم الإبرة وتشغّل ماكينة الخياطة وتخيط وتطرّز وتحيك الصوف بصنارة واحدة وصنّارتين، وتحقن «بابور» الكاز وتشعله. لقد قهرت الإعاقة وتفوقت عليها بالإرادة الصلبة.
٥. في ساحة الدبّاس دائرةٌ خشبيةٌ مرتفعة (برج خشبي) وثلاثة إخوة أتراك من راكبي الدراجات النارية الماهرين يدورون بدراجاتهم بشكل منفرد ومع بعضهم البعض حيث يتقاطعون، على الحائط الخشبي الداخلي للبرج. وفي آخر العرض، يسير أحدهم والعلمُ التركي على وجهه ويداه في الهواء.

أما المتفرجون، فكانوا لقاء عشرة قروش لا غير يصعدون سلّمًا خشبيًّا حول البرج من الداخل إلى أعلى الدائرة (البرج) للمشاهدة، والتي تدوم حوالي ربع ساعة وربما عشر دقائق. إنه بالفعل مشهدٌ يأخذ الألباب ويثير العجب العجاب!

متنوع رقم ٩: مناظر موسكوبية

١. الاندلاق الشمالي: الثلج يندف وفيه شحطات ليست صغيرة من الفوسفور وهي تلمع بلون أقرب إلى الفستقي. إنه منظرٌ في منتهى الروعة ويثير الإعجاب صادفته مرةً واحدةً لم تتكرر، وذلك في الصباح الباكر أثناء عودتي من إحدى ضواحي موسكو.
٢. موسكو في الليالي البيضاء: في أواخر فصل الربيع وبدء فصل الصيف، تظهر الليالي البيضاء في موسكو، فتغدو الليالي غير مظلمة وشبه منيرة وتستنفر الطبيعةُ لاستقبال المتنزهين، لاسيما الطلاب منهم، حول حدائق الجامعة. يبدو الجميع في تلك الليالي كأنه مضربٌ عن الدراسة.
٣. شيءٌ رائعٌ لمسته في الاتحاد السوفييتي. أهل الشمال- موسكو، لينينغراد، كالينينغراد وغيرها من المدن، يتبادلون الشقَق مع أهل الجنوب على البحر الأسود . بالطبع، هي شققٌ صغيرة لا يُخشى عليها من السرقة، إذ لا يوجد فيها مقتنيات فضية أو كريستالية أو ما شابه. هذا كما أنّ مجموعة الثيابGarderobe ، سواءً للرجال أو النساء، فكانت محدودة الكمية والنوعية.

هكذا هو الأمر أيضًا بالنسبة للشعب عمومًا، حسبما علمت، حتى في البلدان الرأسمالية (لاسيما أوروبا وأميركا الشمالية). بالطبع، هناك البرجوازية التي تسكن الشقق الفخمة في ناطحات السحاب وكذلك القصور في الغابات وغير ذلك. لكنّ هؤلاء قلّة، ومع ذلك فهم يحوزون على القسم الأكبر من الدخل الوطني في البلاد. أما في الدول الاشتراكية، فقصور الإقطاعيين القدامى غدت منتجعات ودورًا لأطفال كلّ أبناء الشعب السوفياتي.

هذا ما ورد على الخاطر من متنوعات ننهيها بتمنٍّ حارّ بعودة ما يشبه الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، وحتى الأحوال السابقة للبلدان العربية والعالم، ولو بأشكال جديدة ومختلفة. وذلك إنقاذًا للبشرية من مرارة العيش في الصراع الدائم والمكلف للأرواح والعمران وغير ذلك مع الرأسمالية النيوليبرالية الأخطبوطية، التي تمدّدت على الكرة الأرضية. ومع ذلك، بإمكان البروليتاريا، التي وُصف أفرادُها في ما مضى بالصعاليك (يا صعاليك العالم اتحِدوا)؛ الانتصار على تلك النيوليبرالية وذلك عبر حُسن التوعية والتربية والتثقيف والإعداد السليم وغيرها من الطرق، السلمية والثورية، وذلك حسب الظروف.

استدراك

ذكرتُ في النص أنّي إلى جانب الدراسة والتدريس عملتُ في التجارة بعض الشيء. لقد تأتّى، نتيجة الصراع المذكور، عن آخر عمل تجاري قمت به الآتي: عقدتُ مع قريبٍ لي وشريكه صفقةً قامت على أن أضع ٢٠٠٠ ل.ل، وأن يضعا هما ٤٠٠٠ ل.ل. وقد كوّن المجموع رأس المال الذي بلغ ٦٠٠٠ ل.ل. تولّيتُ أنا المراسلة لشراء ثريّات و«غلوبات» سقف على الكتالوغ. عندما وصلت البضاعة وبدأ قريبي وشريكه بتركيب بعض الثريات؛ تقدّم مني شريك قريبي عارضًا عليّ ١٠٪ على ثمن البضاعة- الثريات والغلوبات للسقف- وانسحب من الاتّفاق الذي كان شفويًّا. وبما أني كنت مزمعًا على الزواج فقد قبلت.

جوهر الموضوع أنّي نتيجة الصراع في داخلي لترك التجارة بشكل كلّي (طلاقًا بالثلاثة)، قبلت العرض المذكور، ونسيت حتى أمر مبلغ الألفَي ليرة الذي دفعته معهما لرأس المال، وهو حق لي.

أكتب هذا الهامش بعد الانتهاء من تبييض النّص، وأنا في آواخر الـ٩٥ من العمر وعلى مشارف الـ٩٦! وقد صدر لي في شباط/ فبراير ٢٠٢٠ آخر كتاب عن «دار الفارابي» بعنوان «فسيفساء ماركسية» (الكتاب الواحد والعشرون من مجموعة كتبي). وهنا أتساءل: ألا يَشفع لي ما رويتُ في هذا الهامش قصوريَ في التعاطي مع الجنس اللطيف آنذاك وأنا في التجارة أو حتى يخفف من سوء الحكم السيئ عليّ؟!

العدد ٣٦ - ٢٠٢٣

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.