العدد ٣٤ - ٢٠٢٢

القاموس النقدي لمصطلحات النيوليبرالية ٤

ارتبطت مقولة «التنمية البشرية» بنشوء مقولة «اقتصاد المعرفة» وسيادته في خطب التنمية. ونشأ «مؤشر التنمية البشرية» كوسيلة لتصنيف الأمم في ردّ فعل على ما تعرّض له مؤشر «الدخل الأهلي الإجمالي» من نقد باعتباره لا يعكس صورة فعلية عن حالة النمو، ويخفي الفوارق الاجتماعية، ويغفل بيانات توزيع الدخل، وكذلك التعليم واقتصاد المعرفة.

في العام ١٩٩٠، حاول «برنامج الأمم المتحدة للتنمية»، ولو بشيء من السذاجة، حرف الأنظار عن مؤشرات الدخل بما هي المؤشر الأوحد لقياس مستويات النمو، فاقترح مؤشرًا مركّبًا إضافيًّا، وهو ما سمّي مؤشر «التنمية البشرية». يقيّم هذا المؤشر معدلات النمو بناءً على توقعات الحياة، ونسبة المتعلمين من البالغين، والقدرة الشرائية المعدلة حسب الدخل الفردي.

بعد احتساب مؤشرات التنمية البشرية لـ١٥٢ بلدًا، زعم «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» أن هذا المؤشر «يصنف تراتب الدول بطريقة مغايرة كليًّا لطريقة التصنيف التي يعتمدها مؤشر «الناتج المحلي الإجمالي»»
(UNDP, 1990, p. 14).

لماذا الحاجة إلى «التنمية البشرية»؟

في العام ١٩٩٠، وقعت أول أزمة للنيوليبرالية. وتم الانتقال من برامج «التعديـــــــــــــــــــل الهيكلي» إلى ما سمّي «النيوليبرالية ذات الوجه الإنساني» بالتركيز على المجتمع المدني والتنمية البشرية. وفي الوقت نفسه، نشرت الأمم المتحدة «مؤشر التنمية البشرية» كوسيلة للترويج للأيديولوجيا النيوليبرالية. ومنذ ذلك العام، نشر «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» سلسلة من تلك التقارير السنوية يجري فيها احتساب مؤشر التنمية البشرية لكل بلد. وقد تحوّل هذا المؤشر إلى البديل الأساسي الذي حلّ محل مقياس النمو التقليدي الوحيد الجانب، أي مؤشر الناتج المحلي الإجمالي. ومع أن المؤشر الجديد لا يقيم أي اعتبار يتعلق بالبيئة، إلا أنه وسّع الحوار حول تقييم النموّ.

أثار «تقرير التنمية البشرية العربية» و«مؤشر التنمية البشرية العربية» منذ نشأتهما في العام ١٩٩٠ الكثير من السجال لمحاولتهما الحلول محل «الناتج المحلي الاجتماعي» بما هو مقياس النمو الاقتصادي الأساسي. وهذا ما يلخصه تقرير العام ١٩٩٣ من خلال الاستشهاد بدراسة نشرها الاقتصاديان سدير آناند وآمارتيا سين عام ١٩٩٢ تَخلص إلى أنّ «الدخل، والسلع («الأساسية» أو غير الأساسية) والثروة، تتمتع جميعًا بقيمة وظيفية طبعًا، لكنها ليست تشكل مقياسًا مباشرًا لمستوى المعيشة ذاته» («برنامج الأمم المتحدة للتنمية»، ١٩٩٣، ١٠٦).

في العالم العربي، أصدرت الأمم المتحدة سبعة تقارير عن «حالة التنمية البشرية في العالم العربي». استخدِم الأول في العام ٢٠٠٢ كدليل للتدخل الخارجي في شؤون المنطقة على اعتبارها «متخلفة عن الركب» lagging. وكانت الأوصاف المركزية هي «نقصان»، «فجوة»، «عجز»، «غياب» وما شابه. وهي أوصاف تبدو قاسية نسبيًّا قياسًا إلى اعتماد المؤسسات الدولية مفرداتٍ وأوصافًا ألطف من باب «لياقة سياسية» من مثل «البلدان النامية». ويجدر التأكيد أن تلك الأوصاف لا معنى لها إلا لأنها عكس ما هو موجود في المجتمعات الموجودة في البلدان التي هي «في طليعة الركب». فالمليء والمتكامل والحاضر والمتوافر والفعال موجود ماديًّا ورمزيًّا كنموذج يقتدى به إن كان الهدف ألّا تبقى المنطقة «في مؤخرة الركب».

من حيث الخلفية، تتشابه جميع مؤشرات التنمية البشرية إلى حد كبير في بنيتها وتحليلها والنتائج. يربط بينها التأكيد على حاجة المنطقة إلى التدخل الخارجي. والمفارقة في الأمر أن مهمة كتابة التقارير أوكلت إلى مجموعة من الأكاديميين والباحثين العرب لسان حالهم «كفى تحميل مشكلاتنا إلى الغير، وأنه قد آن الأوان للبحث في مسؤوليتنا عمّا نحن عليه».

تنطوي التقارير على تشخيص ثقافوي مهيمن لمشكلات العالم العربي يقترح المزيد من الإجراءات النيوليبرالية والتعديلات الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فعلى الرغم من أن الإجراءات النيوليبرالية بدأ تطبيقها في المنطقة منذ نهاية الثمانينيات، إلا أن التقارير المكتوبة بعد ١١ أيلول/ سبتمبر — أي بعد الهجوم الإرهابي على مركز التجارة العالمي في نيويورك — تعزو سبب الإرهاب إلى عدم اندماج العالم العربي في الاقتصاد الكوني. وهكذا تضاف إلى وظائف النيوليبرالية وظيفة أخرى هي حفظ الأمن العالمي.

يرتكز الإطار التحليلي الثقافوي الذي تعتمد عليه «تقارير التنمية البشرية العربية» على ثلاثة عناصر رئيسة:

أولاً، الافتراض أن العالم العربي ذو هوية واحدة، وثقافة واحدة، متماثلة ومتماسكة وأساسية. والثقافة هنا سلسلة من القيم والممارسات «التقليدية» الأساسية، غير المتغيرة، ترى التقارير أنها تتعارض مع ممارسات الحداثة ومع دينامية القوى الفاعلة في عالم يتعولم. ولا بدّ من القول إن هذا التشخيص الجوهراني يعيد إنتاج صور نمطية استشراقية عن المنطقة. وهو لا يكتفي بتسطيح حقيقة التنوّع والاختلاف الداخلي الكبير ومتعدد الأوجه ولا بإعدام التحولات التاريخية الكبرى التي عرفتها المنطقة، بل يتجاهل أيضًا حقيقة أنّ «التقاليد»، أينما كانت، تتعرض إلى إعادة إنتاج وإلى ابتكار وتعديل بما هي جزء من العالم الحديث المتعولم وكردّ فعل عليه في آن معًا. (Lavergne, 2004)

ثانيًا، لا يقتصر الأمر على المنظور الثقافوي في التشخيص. تفترض التقارير أن التعليم والترجمة، اللذين يشكّلان ركنَي مجتمع المعرفة، هما أبرز جواب على التخلّف عن ركب الحداثة. أي أننا أمام محاولة شبه واعية لنقل الأولويات من حقل إلى آخر وإعطاء الانطباع بأنك تستطيع أن تحلّ المشكلات الاقتصادية والسياسية بواسطة التعليم والترجمة وأن تستبدل التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالتنمية الثقافية. فليس يقتصر الأمر على أنّ السوق قد اتخذ لنفسه دور محرّك التنمية في ظل النيوليبرالية. المطلوب إقناعنا أيضًا بأنّ المزيد من التعليم من شأنه حل مشكلة البطالة، إذ تقدّر التقارير نفسها أنّ ٨٠ مليون عربي سيطرقون باب البحث عن عمل خلال عشر سنوات مقبلة. يصعب تصوّر كيف أنّ هذا البرنامج الطموح في التعليم والتنمية الثقافية يساعد على زيادة فرص العمل لمثل هذا العدد من الشباب العرب، علمًا أنّ توسيع التعليم ورفع مستواه قد يؤديان إلى نتيجة عكسية بزيادة عدد العاطلين من العمل بين المتخرّجين خصوصًا، إن لم يرتبط بتوسع الإنتاج أو زيادة القطاعات الإنتاجية والخدمية وطاقتها على استيعاب العمالة. [انظر نبذة «اقتصاد المعرفة» في مكان آخر من هذا القاموس]

ثالثًا، تركز «تقارير التنمية البشرية» على أن أبرز النواقص المؤسساتية والثقافية التي تفْصل العالم العربي عن سائر العالم هي نواقص في المعرفة والحرية وتمكين النساء. وكما هي العادة في التحليلات الثقافوية، يهمل هذا التأطير تاريخَ الكولونياليــــــــة والنيوكولونيالية المعقّد، والاحتــــــــــــلالات والتدخلات الأجنبية، بمثل ما يهمل النزاعات والحروب الأهلية المحلية.

رابعًا، على رغم منطلقاتها الثقافوية في التشخيص والحل، تروّج تقارير التنمية الاقتصادية العربية لتعديلات نيوليبرالية وهيكلية يفترض أنها سوف تؤمّن الحكم «الرشيد» و«النمو». وهذه إجراءات مادية بامتياز: تجميد الأجور، خفض الضرائب، تحجيم ميزانيات الدولة، وقف التوزيع الاجتماعي، خفض الاستثمار، رفع الدعم عن المواد الأساسية، خصخصة المؤسسات العامة، إطلاق آليات السوق ووضع الدولة في خدمة القطاع الخاص:

«إن اعتبارات النمو والإنصاف تستدعي إطلاق ديناميات لتطوير القطاع الخاص بما هو أولوية حاسمة للحكم الاقتصادي الرشيد في البلدان العربية» («تقرير التنميــــــــة البشريـــــــة العربيــــــــــة» ٢٠٠٢: ١٢٣).

«تقارير التنمية» قيد التطبيق

لتدارك النقصان في كافـة مجالات الحياة العربية، انعقد مؤتمر ضمّ ٢٥٠ مثقفًا عربيًّا في الإسكندرية، بدعوة من الرئيس حسني مبارك، في آذار/ مارس ٢٠٠٤. صدرت عنه وثيقة إصلاحية شاملة عُرفت بـ«وثيقة الإسكندرية» أشرف على إعدادها مسؤولون في «مشروع الأمم المتحدة للتنمية» UNDP.

تتعامل المقررات مع ٢٢ دولة عربية ونحو ٣٧٠ مليون عربي بالطريقة الاستشراقية المذكورة أعلاه حيث الكلّ متساوٍ في «العجز» و«النقصان» و«الغيابات»، وتقترح جملة من القواعد والإجراءات هذه أبرزها:

 - اعتبار القطاع المالي هو القطاع المحرّك للاقتصاديات العربية، وفتحه أمام الاستثمارات الخارجية (علمًا أنه منفتح عليها أصلاً وأكثر بكثير ممّا هو مطلوب).
 - النمو الاقتصادي، الوثيقة تخلو من أي ذكر لقطاعين اقتصاديين: القطاع الزراعي وقطاع النفط. أي القطاع الذي يعيش عليه أكبر عدد من السكان العرب من جهة ومن جهة ثانية القطاع الذي يدير أكبر مورد طبيعي وأكبر ثروة والقابل لأن يكون أكبر مصدر لتنمية المنطقة. وأبرز المقترحات في مجال التنمية هو «الانفتاح على رأس المال الخارجي المباشر، (DFI) «Direct Foreign Investment» وذلك في منطقة يكاد أن يتلخّص موقعها في الاقتصاديات العالمية بأنها مصدّرة لرؤوس الأموال إلى دول المركز.
 - الخصخصة، وتخصّ المقرراتُ بالذكر خصخصة المصارف، مع أنّ معظمها وأهمها موجودة في القطاع الخاص.
 - «إلغاء احتكارات الدولة»، من دون ذكر الاحتكارات في القطاع الخاص ولو باعتماد قوانين مكافحة الاحتكار سارية المفعول في الدول «المتقدمة» و«الحديثة».
 - الديموقراطية. منوّعات من المقترحات حول حقوق الإنسان، لكن في غياب ذكر للمساواة السياسية والقانونية بين المواطنين، وفكرة المواطنة، والدعوة إلى فصل الدين عن الدولة أو حتى إلى الدولة المدنية. واللافت أن الدعوة إلى حرية الإعلام تشدد على حماية الإعلام من الدولة، لا من القيود والرقابة التي يفرضها عليها رأس المال، الخليجي خصوصًا، المسيطر على أبرز أجهزة الإعلام والفضائيات الموجّهة للمنطقة وأقواها.
 - «الثقافة». هنا أيضًا الميدان الأثير للثقافوية. حيث يرِدُ التشجيع على اعتماد «الإسلام المعتدل»، وإقناعنا بأن البشر هم نتاج «ثقافاتهم» التي لا تَحول ولا تزول وأنّ هويتهم الأساسية — التي هي الهوية الدينيـــــــة — تفسّر سلوكهم بغضّ النظر عن ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والآفاق المفتوحة أو المصدومة أمام الشباب. أيْ تفسير البشر والمجتمع بالدين لا تفسير الدين بأحوال البشر واجتماعهم. فيكون سبب التطرّف هو تفسير متطرف للإسلام والجواب عليه هو تفسير «معتدل» للإسلام.
 - «تحرير ثقافة المرأة». بدلاً من تحرّرها كامرأة، لا بد من تحرير ثقافتها — شأنها شأن ســـــــــــائر العرب — وما ينطوي عليه من تفسير لحالتها بناءً على «ثقافتها». وكم هو معبّر أن يكون العطل والعلاج محصورَين في «ثقافة» المرأة على افتراض أنّ لا أثر في المرأة لـ«ثقافة» الرجل التي لا يبدو أنها بحاجة إلى «تحرير».
 - الترجمة. لتقارير «التنمية البشرية العربية» هوَس خاص بالترجمة، على اعتبار أنّ سد «الثغرات» وملء «النقصان» والتعويض عن «العجز»، تستدعي نقل المعارف. على أنها تنعى على المنطقة كلها شحّة الترجمات فيها. فالعالم العربي بمجمله لا يترجِم أكثر من ٣٠٠ كتاب في السنة حسب تقرير العام ٢٠٠٢. وقد نقض باحث ألماني هذا الرقم الإطلاقي — غير المدعّم بمراجع — مبيّنًا أنه مأخوذ من رسالة جامعية لطالبة ماجستير، تشمل خمسة بلدان عربية فقط، استشهد فيها أحد تقارير منظمة «الألكسو» (معادل الأونيسكو العربية). ومن غرائب تقرير العام ٢٠٠٢ أنه قارن حال الترجمة الراهن بالترجمة زمن الخليفة المأمون في العصر العباسي حين ترجم ١٠٠،٠٠٠ كتاب. وإذا بتقرير العام التالي يستدرك الشطحة فيبلغنا أن الرقم عشرة آلاف بالتمام والكمال («تقرير التنمية العربية» ٢٠٠٣، ٦٧).

    في وثيقة «مؤتمر الإسكندرية» ٣٦ عبوة من المطالب والإصلاحات المقترحة، تحتوي على عدة سلع إصلاحية بالمعنى الحرفي الذي يعنيه صموئيل هنتنغتون عندما يتحدث عن أنه يمكن لغير غربيين، بمن فيهم أهل النفط العرب، تسوّق الحداثة، في ما يشبه «سوبر ماركت» كبيرًا.

    مهما يكن، في عودة إلى استدعاء التدخل الخارجي، أثارت «وثيقة الإسكندرية» انتباه محرر صفحة «القضايا والآراء» في جريدة النهار اللبنانية الذي كان حاضرًا المؤتمر، فلاحظ أن مقرّراته لا تختلف إطلاقًا عن «المبادرة الإصلاحية» التي اقترحتها الإدارة الأميركية في وقت سابق من ذلك العام. وخلص إلى أنّ الإصلاح في العالم العربي لن يأتي إلا من الخارج (جهاد الزين، «الإصلاح لن يأتي إلا من الخارج»، جريدة النهار، ٣١ آذار/ مارس ٢٠٠٤)

    في عهدة الشيخ محمد بن راشد

    استجابةً لتلك التقارير، أطلق الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس وزراء دولة الإمارات العربية وحاكم دبي، مؤسسة ثقافية على اسمه، وأعلن تخصيص وقفية لها من عشرة مليارات دولار (وما لبث أن تراجع عن الرقم بعدما سرت الأخبار عن أنّ إمارة دبي في حالة عجز مالي وقد تولّى شيخ أبو ظبي إنجادها بالقروض والمساعدات). عيّنت مؤسسة الشيخ محمد ثلاث قضايا رئيسة تدور مدار النقصان والثغرات والغياب والعجز في العالم العربي: ١) أعلى معدلات بطالة في العالم ٢) أدنى مستويات البحث العلمي ٣) مشكلة الفقر. بناءً على هذا التشخيص، تدعو مبادرة حاكم دبي إلى الحل في بلوغ «مجتمع المعرفة» بواسطة «الثقافة والتعليم والإبداع والريادة في الاقتصاد»، وهي العناوين المستمدّة من «تقارير التنمية البشرية العربية» إياها.

    وتعيّن وثيقة الشيخ نحوًا من ١٥ مهمة من أجل بناء «مجتمع المعرفة» العربي بالتعاون مع «مشروع الأمم المتحدة للتنمية» ذاته الذي يصدر «تقارير التنمية البشرية». أهمها:

    – التعليم والمنح المدرسية؛ برامج التعليم على الإنترنت للنساء (على اعتبار أن «واجباتهنّ الزوجية»، كما ورد في الوثيقة، تفرض عليهنّ البقاء في المنازل)؛ تدريب الشباب على الريادة والقيادة في الاقتصاد؛ تقديم المساعدات للاجئين (دون تعيين مَن هم)؛ برامج الإحسان للمساهمة في مكافحة الفقر.

    بنـاءً عليه، تكاثرت المشاريع لملء ثغرة الترجمة وغلب قياس التقدّم فيها بأهداف عددية. ففي أبو ظبي مثلاً مؤسسة «كلمة» تعهّدت ترجمة ألف كتاب سنويًّا. حتى أن مشروع الشيخ الدُبياني تضمّن إصدار مجلة أدبية عربية وإنشاء مدرسة خاصة لتعليم العرب اللغات الأجنبية لكي يستطيعوا مخاطبة نظرائهم الأجانب، في «الغرب» خصوصًا، بلغاتهم الأصلية.

 

 


 

 

لعل نشوء ظاهرة المعرفة كرأس مال يشكل واحدًا من أبرز التحولات المادية التي تميّز الحقبة النيوليبرالية. وقد روّج لهذه الظاهرة كلٌّ من «وفاق واشنطن» وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وأبرز خصائص اقتصاد المعرفة هي: اقتصاديات الوفرة، امّحاء المسافات، عدم التطابق بين الدولة وقاعدتها الجغرافية، وما يعقب ذلك من استثمار في رأس المال البشري.

ظهر المصطلح في الثمانينيات مع التقسيم الكوني للعمل بحيث تم تصميم السلع والجهد الفكري لإنتاجها، أكان تقنيًّا أم لا، في الشمال الكوني، فيما تم تحويل إنتاج السلع إلى البلدان الفقيرة في الجنوب الكوني، والغرض سحق العمل النقابي والحصول على يد عاملة رخيصة.

التعليم في ظل النيوليبرالية

لكي نحيط بنشوء اقتصاد المعرفة، يفيد أن نفهم موقع التعليم الرسمي في حقبة التحويلات الرأسمالية النيوليبرالية على الصعيد الكوني خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. يطرح دافيد هارفي مفهوم «التدبير المكاني» لوصف هذا المسار: عندما واجه أرباب العمل في الشمال الكوني تَقلّص أرباحهم في سبعينيات القرن الماضي — وهو العائد بالدرجة الأولى إلى ارتفاع الأجور، وارتفاع نسَب الانضمام إلى النقابات العمّالية، وإلى الضرائب التي فرضتها دول الرعاية — سعى بعضهم إلى الانتقال إلى الأطراف الكونية بحثًا عن أجور أرخص وأكلاف إنتاج أدنى وقوة عاملة أكثر طواعية. وقد تولّى التعليم العالي في الشمال الكوني السعي إلى هذا النوع من التدبير المكاني من خلال استقطاب المزيد من الطلاب الدوليين، وفتح فروع للجامعات عبر البحار، وتوسيع الشراكات التعليمية العابرة للقوميات للتعويض عن نواقص التعليم في بلدان المركز. ويحاجج هارفي بأن هذه التدابير المكانية في الرأسمالية عديمة الاستقرار وقصيرة الأجل، لأنها تحلّ مجموعة من التناقضات والأزمات، لكنها لا تلبث أن تولّد تناقضات وأزمات جديدة تتطلب المعالجة.

لكي تستطيع النخب السياسية والاقتصادية في بلدان مركز الرأسمالية الكونية نقل الإنتاج (في الصناعة خصوصًا) عبر البحار، كانت بحاجة إلى إطار تشريعي يبرّر ذلك التحول من دون أن يثير معارضة واضطرابات في الداخل. ومن بين الوسائل المعتمدة لتوفير ذلك، الترويج الكثيف لنظرية «رأس المال البشري»، وخطاب اقتصاد المعرفة، والتعليم بما هو سبيل للترقّي الاجتماعي للعمّال في بلدان المركز١. ومعروف أن الترويج للتعليم مرتبط طبعًا منذ وقت طويل بالمشاريع التي تبتكرها النُخب من أجل التحكّم بالتناقضات والأزمات الناجمة عن النمو الرأسمالي٢. وهذا ما عبّر عنه روبرت ريش، وزير العمل الأميركي في منتصف تسعينيات القرن الماضي، بقوله:

«خلافًا لاقتصاد أميركا التراتبي والمعزول نسبيًّا، حيث على عدد الوظائف الإدارية أن يتساوى بالضرورة مع عدد الوظائف العمّالية تحتها، لا يفرض الاقتصادُ الكوني أيَّ حدٍّ على عدد الأميركيين الذين يستطيعون بيع خدمات رمزية ــ تحليلية عبر العالم.

من حيث المبدأ، يستطيع جميع عمّال الإنتاج الأميركيين أن يتحولوا إلى محللين رمزيين [أي «عمّال معرفة»] وأن يتركوا لوظائفهم القديمة أن تبحر بهم عبر البحار إلى الأمم النامية».

كانت الرؤية المقترحة تقسيم عمل كوني جديد يعرض حلًّا مربحًا بلا خسائر للجميع، ففي حين، يمكن العمّال في «أمم الرأس» تحصيل العلم من أجل كسب أجور أعلى، أي الحصول على وظائف تتطلّب مهارات عالية في اقتصاد معرفة كوني متطور، بات باستطاعة أبناء «أمم الجسم» تنمية ثرواتهم الخاصة بأن يأخذوا على عواتقهم حصة أكبر من مسار الإنتاج العالمي٣. يسمّي براو ولاودر وآشتون هذه الظاهرة «صفقة الفرصة النيوليبرالية» التي تعد «عائلات [الشمال الكوني خصوصًا] بمسارٍ موصل للازدهار الفردي والقومي من خلال التعليم»٤.

وليس مدعاة الغرابة أن تشهد حقبة «التدبير التعليمي» ارتفاع نسب التسجيل للتعليم الجامعي عبر العالم، حيث تحوّل التعليم العالي «الكوني» سياسة مرجوّة تطمح إليها الأمم الغنية، بالقدر الذي استهدفت فيه تلك الأمم التعليمَ الابتدائي والثانوي وحققته على نطاق واسع في السابق٥. وهكذا، تضاعفت معدلات تسجيل الشباب في المرحلة التعليمية الثالثة في المملكة المتحدة، مثلاً، ثلاثة أضعاف بين ١٩٨٠ و١٩٩٩ ٦. وفي إطار هذا التوسّع في التعليم الكوني، صار النظر إلى فكرة «تحرير المجتمع من المدرسة» على أنها شواذّ تاريخي٧. وهي الفكرة التي تدعو إلى نقل وظيفة التعليم في المجتمع من المدرسة التقليدية إلى أنظمة تعليم غير مؤسساتية تسمح للطلاب بأن ينموا على نحو أكثر استقلالاً.

من تحقيق المساواة
إلى الارتباط بالسوق

ويقدَّم اقتصادُ المعرفة الكوني على أنه مختلف عن الاقتصاد الصناعي التقليدي على اعتبار أن الأفكار مستدامة ليست قابلة لأن تشكو من الندرة. ويرى الاقتصادي الأميركي جوزف ستيغلتز أنّ «الانتقال إلى اقتصاد معرفة يتطلب إعادة التفكير في أساسيات الاقتصاد» لأن المعرفة مختلفة عن غيرها من السلع في أنها تتشارك في العديد من خصائص الخير العام الكوني الذي يملي على الحكومات دورًا رئيسًا في حماية حقوق الملكية الفكرية في اقتصاد كوني يتّصف بطاقات احتكارية أضخم بكثير من تلك التي كانت متوافرة في العصر الصناعي. وقد تطلّب الانتقال إلى اقتصاد المعرفة إعادة نظر بالتعليم من تعليم مرتبط بالخير العامّ والقضاء على اللامساواة إلى تعليم مرتبط بالسوق.

من هنا، إنّ الانتقال إلى اقتصاد المعرفة قد تضمّن إعادة نظر جذرية في العلاقات التقليدية بين التربية والتعليم والعمل، بالتركيز على الحاجة إلى تحالف جديد بين التعليم والصناعة. وإن «رأسمالية المعرفة» و«اقتصاد المعرفة» مصطلحان توأمان يمكن تتبّعهما على صعيد السياسات العامة إلى سلسلة من التقارير صدرت في أواخر التسعينيات من القرن الماضي عن «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» والبنك الدولي وإلى تقارير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية، التي ما لبثت أن اعتمدتها حكومات العالم كنماذج في أواخر تسعينيات القرن الماضي. في العالم العربي، كان الأردن أول بلد تبنّى «الإصلاح التربوي من أجل اقتصاد المعرفة» بتمويل من البنك الدولي وإشراف «الوكالة الدولية للتنمية الاقتصادية» الأميركية. هنا أعيد تصوير التعليم بما هو نوع من رأس المال مقدّر دون قيمته الفعلية بكثير، مع أنه سوف يتحكم بمستقبل العمل، وتنظيم مؤسسات المعرفة، وشكل المجتمع ذاته في السنوات المقبلة.

المبادئ الستة

تنطوي اقتصاديات المعرفة والإعلام على ستة مبادئ رئيسة ترتبط كلها بـ«مدرســـــــــــــــــــــــــــة شيكاغو للاقتصاد»، داعية النيوليبرالية في جامعة شيكاغو الأميركية وأبرز وجوهها ميلتون فريدمان. وهي المدرسة التي اتخذت من تشيلي في ظل دكتاتورية العسكر (١٩٧٢–١٩٩٠) مختبرًا لتطبيق مبادئها.

    اقتصاد المعرفة ليس موضوعه الندرة بل الوفرة. فعلى عكس سائر الموارد التي تهتلك حين تستخدم، المعلومات والمعرفة قابلتان للتشارك وهما تنموان فعلاً خلال التطبيق.
    يمكن تحجيم أثر الموقع. فعن طريق استخدام التكنولوجيا والأدوات المناسبة يمكن إنشاء أسواق افتراضية ومنظمات افتراضية توفّر أفضليات السرعة، والعمل على مدار الساعة، والانتشار على المدى الكوني.
    لمّا كان يصعب تطبيق الحواجز القانونية والضرائب على المستوى الوطني، تتّجه المعرفة والمعلومات إلى حيث الطلب أعلى والحواجز أقلّ.
    تستطيع المنتجات أو الخدمات المعززة بالمعرفة أن تحظى بأفضليات في التسعير أعلى من منتجات أو خدمات متشابهة ضعيفة المكوّن المعرفي.
    عندما تندمج المعرفة في أنظمة أو مسارات، تكتسب قيمة ذاتية أعلى ممّا لو أنها خارجة من رؤوس البشر.
    يشكل رأس المال البشري والكفاءات البشرية مكونًا أساسيًّا من مكونات القيمة في شركة مبنيّة على المعرفة، علمًا أن الشركات التي تتضمن تقاريرُها السنوية قياسات للكفاءة لدى العاملين فيها، قليلة. في المقابل، تسود النظرة التي تقول إن تخفيض عدد العاملين إجراء إيجابي لخفض النفقات.

    أدت هذه القواعد إلى ربط المعرفة بالنمو الاقتصادي، ذلك أنّ المعرفة التكنولوجية ومستويات تدفّق المعلومات عنصران حاسمان في التنمية الاقتصادية وهما يفسّران الاختلاف في أنماط النمو. لذا، الثغرات في المعرفة والنواقص في المعلومات قد تعيق احتمالات النمو في البلدان الفقيرة، في حين أن سياسات نقل التكنولوجيا من شأنها أن تشجع إلى حد كبير على معدلات النمو بعيدة المدى وعلى الارتفاع في مستويات المعيشة. بناءً عليه، طُلِب من حكومات بلدان الجنوب أن تملأ ثغرات المعرفة في بلدانها عن طريق بذل جهود إضافية في مجالَي المعلومات والمعرفة. جرى تبنّي إصلاحات تعليمية على امتداد العالم من أجل المزيد من ربط التعليم بحاجات الاقتصاد، وتحويل التعليم إلى مهارات، وساد الاعتقاد أنّ مسألة البطالة يجب معالجتها في دوائر التعليم والأجهزة الحكومية التي تخلّفت عن ملء ثغرات المهارات لديها والتي تمارس التعليم وفق حاجات ليست هي حاجات السوق. ومن أجل حلّ مسألة الثغرة المعرفية، فتحت دولُ الخليج فروعًا لجامعات أميركية على أرضها وصل عددها إلى خمسين جامعة. وصارت دبي الرائدة في الترويج لأيديولوجيا اقتصاد المعرفة، تُصدر بالتعاون مع المكتب الإقليمي للأمم المتحدة تقاريرَ سنوية عن ثُغَر المعرفة التي يعاني منها العالم العربي، وتشجّع على الإصلاح التربوي وتدريب الأساتذة وخصخصة التعليم بما هي عناصر الحل لردم ثغرة المعرفة.

    على أنّ التدبير التعليمي ولّد مشاكله وتناقضاته الخاصة منذ ذلك الحين. تنتج الاقتصاديات الرأسمالية في ميدان اقتصاد المعرفة عددًا محدودًا من الوظائف عالية المهارة ومرتفعة الأجور، والعديد منها معرّض للنقل عبر البحار، واستبدال العنصر البشري بالأتْمَتــــــــــــــــــة، وخفض درجـــــــــــــــــــــــــــــــة الكفاءة، وتخفيض الأجور — مثلما كان الأمر بالنسبـــــــــــــــــــــــــــــــــــة للوظائف المماثلة في القطاعات الصناعية من قبل٨. ومع ارتفاع عدد الشباب الذي يتخرج بمؤهلات جامعية، بذاك القدر ارتفعت نسبة البطالة بين خرّيجي الجامعات، وهو اتجاه فاقمت منه الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨ ٩. يردُ في تقرير لـ«مكتب الإحصاءات الوطني» البريطاني لعام ٢٠١٩ أن ٣١٪ من الخريجين فائقو الكفاءة بالنسبة للوظيفة التي يتقدّمون إليها١٠. وباتت النخب الوطنية مهمومة بكلفة التوسّع المتواصل في مرحلة التعليم الثالثة. ففي الولايات المتحدة، حيث ألقيت كلفة التعليم على عاتق الطلاب، يزداد القلق من الآثار الخطرة على الاستقرار لفقّاعة ديون الطلاب البالغة ١،٥ ترليون دولار١١. وبات النظر إلى بطالة الخريجين الكاملة أو الجزئية على أنها مصدر اضطرابات اجتماعية وسياسية خطيرة، يجري تحميلها المسؤولية عن حركات الاحتجاج والانتفاضات العارمة عبر العالم١٢. في مقالة له عام ٢٠١٨ بعنوان «مقدار من الإفراط»، يحذّر مارتن روز من المجلس البريطاني للثقافة من «فخ تعليمي» ينشأ عن وجود «عدد خريجين يفوق عدد الوظائف الزائدة»، ويحاجج بأن الخريج المتعطل من العمل برز في «الربيع العربي» في أعمال الشغب التي عصفت بتونس في كانون الثاني/ يناير ٢٠١١، وفي احتجاجات «حراك» الريف المغربي، وفي «تجنيد الخريجين» في صفوف جهاديي «الدولة الإسلامية».

العدد ٣٤ - ٢٠٢٢

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.