العدد الثاني - صيف ٢٠١٢

التعريف بسلافوي جيجك: في الإيديولوجيا والثورة

النسخة الورقية

«يُفترَض بكل كتاب يصدره جيجك ان يضم دون ترتيب مسبق مناقشات لهيغل وماركس وكانط، ونوادر وتأملات من حقبة قبل الاشتراكية او من بعدها، وملاحظات عن كافكا الى جانب كتّاب واسعي الانتشار مثل ستيفن كنغ وپاستريسيا هايسميث؛ وإحالات الى الاوبرا (فاغنر، موتزارت)؛ ونكاتا من الاخوة ماركس وتفجرًا للبذاءات، بِرازية او جنسية؛ ومداخلات في تاريخ الفلسفة، من سپينوزا وكييركيغارد الى كريپكه ودينيت؛ وتحليلات لافلام هتشكوك او منتجات هوليوودية اخرى؛ واشارات الى احداث جارية؛ ومطارحات في نقاط غامضة من عقيدة لاكان وسجالات مع منظرين معاصرين متنوعين (دريدا، دولوز)؛ ومباحث في الفقه المقارَن واخيرا تقارير عن فلسفة المعارف وعن «اكتشافات جديدة» في طب الاعصاب»1.

ينطوي هذا الوصف للمفكر الماركسي السلوفيني سلافوي جيجك من قبل فريدريك جايمسون، وهو مفكر لا يقل عنه مكانة، على افضل حصر للانتقائية والعصبية والتوهّج في أعمال جيجك من حيث الاسلوب والمادة. ليست النوادر والنكات والإحالات الى افلام ومؤلفات تنتمي الى التيار السائد غايات بذاتها، بل تخدم في تفسير مفاهيم فلسفية معقدة وفي ربطها بالحياة اليومية. وسوف تركز هذه الدراسة على نـظريتين من نظرياته لهما دلالة مميزة هذه الايام: كيف تشتغل الايديولوجيات واعادة الصياغة لنظرية الثورة عند لينين.

سيرة مختصرة

ولد سلافوي جيجك العام ١٩٤٩ في ليوليانا، في سلوفينيا وقد كانت حينها مقاطعة في يوغسلافيا.

نال شهاداته الجامعية من جامعات بلدته وقد نال الدكتوراه في الفلسفة العام ١٩٨١ ثم زار باريس حيث زامل اكاديميين من تلامذة المحلل النفساني الشهير جاك لاكان ونال الدكتوراه الثانية العام ١٩٨٥ في التحليل النفسي من جامعة باريس الثامنة. بعدها عاد الى سلوفينيا حيث كان ناشطا سياسيا في المعارضة الديمقراطية لنظام تيتو. والمعروف ان سلوفينيا هي اول مقاطعة اٍنفصلت عن يوغسلافيا بعد وفاة تيتو.

منذ ذلك الحين وطاقات جيجك موجهة نحو البحث العلمي والفلسفة. نشر اول كتبه بالانكليزية العام ١٩٨٩ بعنوان «موضوع الايديولوجيا الرفيع» وهو ينشر بغزارة منذ ذلك الحين بحيث جاوز انتاجه العشرين كتابا. الى جانب شعبيته ككاتب، جيجك محاضر واسع الجمهور. ولكن الاهم ان كل افكاره ونشاطاته مشدودة نحو هدف واحد: الامل في الثورة السياسية. هو مفكر ماركسي يستخدم التحليل النفساني لشحذ ادواته الماركسية النظرية. فالماركسية تهدف الى تحسين المجتمع والتحليل النفساني يهدف الى تحسين احوال مرضاه. ويرى جيجك الى التحليل النفساني على انه نظرية ترى الى اللاوعي على انه يقع دوما خارج الانسان، ويتجسد في الطقوس والممارسات. وهكذا يجد ان أهداف التحليل النفساني تلتقي اهداف الماركسية لأن كليهما يعيّن «الحيز الاجتماعي» على انه الحيز الاكثر فاعلية للتحليل بسبب توسطه بين السياسي والفردي.

ماركس وفرويد او الحلم والشكل السلعي

أمضى جيجك الكثير من الوقت في تحليل وجه من ابرز وجوه النظام الرأسمالي: الشكل السلعي. وقد لاحظ هنا ايضا التشابه الاساسي بين منهج ماركس التأويلي وبين منهج لفرويد خصوصا من تحليل الرجلين للشكل السلعي وللحلم.

اولا، يرفض كلاهما الانشغال الغالب في المضمون، اي في «السر» المخبأ وراء الشكل ويؤثر التركيز على سرّ الشكل ذاته. يتساءل فرويد مثلا لماذا ان فكرة حلمية كامنة تتخذ الشكل الذي تتخذه؟ ولماذا تتحول بحيث تتخذ شكل الحلم؟ مثله، لا يكترث ماركس كثيرا لتحديد قيمة السلعة من خلال كمية العمل التي يستهلكه انتاجها بقد اهتمامه في تفسير «لماذا العمل لا يستطيع ان يفرض طابعه الاجتماعي الا بواسطة الشكل السلعي لمنتوجه؟»2.

ثانيا، يرفض فرويد الفكرة القائلة إن الحلم مجرد اضطراب بسيط في عمل الدماغ لا معنى فعليا له، ويدعو إلى استبدال هذا القول بمقاربة تأويلية ترى الى الحلم على انه ظاهرة ذات معنى، على انها ــ الظاهرة ــ تبعث برسالة مكبوته ينبغي اكتشافها بالواسطة التأويلية. على نحو مشابه، يرفض ماركس القول ان قيمة سلعة تعتمد على مجرد الصدفة (كالتفاعل بين العرض والطلب مثلا) ويدعو إلى العمل على اكتشاف سر قيمة السلع3. باختصار، يقول جيجك انه ينبغي ان نحلل ولادة الشكل السلعي ذاته، ولا يمكننا ان نرى الشكل في «نواته الخفية/المحتجبة»، ونتفحص المسار الذي بموجبه يكتسب المضمون المحتجب مثل هذا الشكل (المصدر ذاته ص ٣٠٠).

يعيّن جيجك شكلين من اشكال الصنمية. يحصل الاول في المجتمعات قبل الرأسمالية (الاقطاعية الاوروبية) حيث صنمية السلعة لم تتطور بعد لأن الانتاج لا يزال انتاجا طبيعيا لا تحكمه السوق. هنا تتسم العلاقات بين البشر بـ«السيطرة والعبودية» (ماركس). اما الشكل الآخر من الصنمية فيحصل في المجتمعات الرأسمالية حيث تسود صنمية السلعة. في الحالة الاولى الملك هو ملك للاسبب غير أن سائر البشر يرون أنفهسم في علاقتهم به. ويلقى الملك معاملة ملكية لان رعاياه يعتقدون انه ملك بغض النظر عن علاقتهم به. بمعنى آخر، ان الرعايا لا يدركون ان الملك بدونهم لن يكون الا مجرد شخص عادي ــ فهو لا شيء اذا ما وضع خارج شبكة العلاقات الاجتماعية4.

يشتغل المجتمع الرأسمالي بالطريقة ذاتها تقريبا، باستثناء ان الاشياء فيه تحلّ محل البشر. اننا نعتقد ان السلعه لها قيمة بغض النظر عن علاقتها بنا او بأي سلعة اخرى. في حين ان قيمة سلعةٍ ما لا يمكن التعبير عنها الا في علاقتها بسلعة اخرى، حيث تصير مساوية لها. ويعبّر جيجك عن هذا الاستبدال بقوله: «ان انسحاب «السيد» [الاقطاعي] في ظل الرأسمالية لم يكن الا انزياحا: فقد استُبدلت صنميةُ العلاقات بين البشر بصنمية العلاقات بين الاشياء (وهذا ما نسميه صنمية السلعة)».

وهكذا ففي المجتمع البرجوازي، يجري كبت علاقات السيطرة والعبودية. ففي الشكل الخارجي، البشر ذوات احرار متحررون من السلطة العلنية لحاكم استبدادي فرد. على ان الحقيقة المكبوتة (استمرار السيطرة والعبودية على نحو محتجب) تظهر عن طريق عَرَضٍ هو صنمية السلعة. وقد قالها ماركس ببساطة «بدلًا من ان تظهر العلاقات الاجتماعية، في كل الاحوال، بما هي العلاقات المتبادلة في ما بين الافراد، تتنكّر هذه العلاقات الاجتماعية بين الافراد في شكل علاقات اجتماعية بين اشياء»5.

كيف تشتغل الاديولوجيا

يتساءل جيجك: «ما الذي نعنيه عندما نقول ان المرء يؤمن؟» ويضيف «هذا هو محور اعمالي كلها».

في كتاباته عن الايديولوجيا، يقدم جيجك مراجعة اساسية للتعريف الكلاسيكي للايديولوجيا يختصر بهذه المعادلة «انهم يجهلون عواقب اعمالهم ومع ذلك فهم يمارسونها»6. والمعني ان البشر ينساقون بسذاجة مع مسار الرأسمالية غافلين عن كونهم مستغَلّين. يعتقد جيجك ان هذا التعريف الماركسي التقليدي للايديولوجيا يعبّر عن آليات تشغيل المجتمع، الا إنه لا يساعدنا كثيرا على فهم سلوك الافراد. ذلك ان الايديولوجيا تشتغل على مسارات الافراد الغرائزية والنفسانية فمن الاهمية بمكان ان نتوصل الى صياغة نظرية لتلك المسارات.

ينطلق جيجك من ان تعريف المفكر بيتر سلوترجيك للايديولوجيا «انهم يعرفون تماما ما هم فاعلون ومع ذلك فإنهم يفعلونه». هذا التعريف يقلب التعريف الماركسي التقليدي رأسا على عقب لأنه يؤكد ان الشكل الغالب للايديولوجيا ليس هو الوعي الزائف وانما هو التشكيكية او «مفارقة وجود وعي زائف لكنه متنوّر». يدرك البشر تمام الادراك انه توجد ايديولوجيا كونية غالبة تخدعهم، وتستغلهم، وما شابه، لكنهم لا يتخلّون عنها. فلسان حال الكائن المتشكك انه ما دام ان الاثراء والسرقة يحميهما القانون فلا جدوى من معاكسة السلطة7.

غير ان العقل التشكيكي لا يأخذ في الاعتبار أهمية «التخييل الايديولوجي»، اي المستوى حيث الايديولوجيا تتولى فيه تنظيم الواقع الاجتماعي ذاته8. فيؤكد جيجك ان الوهم الايديولوجي لا يتم على مستوى الفكري او المعرفي بقدر ما يتم على مستوى الفعل. والسؤال، بعبارة اخرى، هو: اذا كان البشر يدركون انه لا يوجد شيء سحري بشأن المال وانهم على الارجح يتعرضون للاستغلال خلال عملية التبادل بين السلع والمال، فلماذا يستمرون في ممارسة هذا النشاط المجتمعي (اي في «الفعل»)؟9. يجيب جيجك بهذه العبارة «انهم تميميون في الممارسة وليس في النظرية»10. والوهم التميمي كامن في عملية تبادل السلع بما هي نشاط مجتمعي، على ما يبيّن ماركس. ويضيف جيجك «ما الذي يجهله الناس هو ان واقعهم المجتمعي ذاته، نشاطهم، يسوقه وهمٌ، ويقوده إنقلاب تميمي». اي ان الناس عاففلون عن الوهم الناظم لنشاطهم المجتمعي الحقيقي11.

يستخدم جيجك النادرة التالية للتمثيل على هذه الفكرة. يروي قصة عن العالم الدانماركي نييلس بوهر. يزوره صديق في منزله الريفي فيجد حدوة حصان فوق مدخل البيت، فيسأل الصديق بوهر ما اذا كان يؤمن بمثل تلك الخرافات. يجيبه بوهر «طبعا اني لست اؤمن بها. لست أبله»، فيأتيه السؤال: «ولكن لماذا تحتفظ بالحدوة؟». فيجيب «اني أحتفظ بها لأنها تفعل فعلها مع أني لا أؤمن بها». فيعلّق جيجك «هذه هي الايديولوجيا في أيامنا. لسنا نؤمن بالديمقراطية اليوم، نسخر منها، ولكننا بطريقة ما نتصرّف وكأنها تؤدي غرضها»، ولكننا اذا استقينا المفهوم الكلاسيكي للايديولوجيا، حيث الوهم يقع في ميدان المعرفة، سوف يبدو مجتمعنا المعاصر على انه مجتمع بعد ايديولوجي لأن ما من احد يأخذ الايديولوجيا على محمل الجد. غير ان البعاد التشكيكي هو في نهاية المطاف الطريقة التي بها نعمي أنفسنا عن «الطاقة التنظيمية للمخيّلة الايديولوجية»، ولكن حتى لو أبقينا المسافة الساخرة التشكيكية بيننا وبين الاشياء، فإننا لا زلنا «نفعلها»12.

ما الذي نستطيع ان نتعلّمه من جيجك (ولينين) عن الثورة؟

يعترف جيجك بأن التزامه بلينين ليس ينسجم مع ما هو رائج هذه الايام لأن لينين يُعتبَر من مخلفات الحقبة السوفياتية، من حيث إصراره اللاهوادة فيه على الصراع الطبقي، وعلى الحزب بما هو الشكل الوحيد للتنظيم السياسي، ودكتاتورية البروليتاريا وطبعا على الثورة العنيفة13

org.uk/isj95/zizek.htm. لكن في ضوء الثورات العربية، تبيّن قراءةٌ لجيجك وهو يعيد فكر لينين، أن النظرية قد تصير واقعا أحيانًا، او انها تقدّم لنا مجموعة من العبر لا يجوز تجاهلها. وسوف اركّز هنا على ستة مفاهيم إما ان الثورات العربية قد أكدت جدواها وإما انها توفر تحوّطات مفيدة للمستقبل.

1. الامل في التغيير يقع في المستبعدين

(او البروليتاريا الجديدة)

اين يعتقد جيجك ان الثورة، او على الاقل لونا من التغيير الجذري، سوف تقع؟ وجوابه هو تعيين تناقضات كامنة في الرأسمالية الكونية تعوق اعادة الانتاج المتواصلة لرأس المال.

يعيّن اربعة تناقضات. الثلاثة الاولى تشكل خصخصة «المشاعات» حسب تعبير مايكل هاردت وانطونيو نيغري (اي المواد والفضاءات التي يتقاسمها جميع البشر): ١) الملكية الفكرية بما هي ملكية فردية، اوخصخصة «الاشكال التشاركية لرأس المال المعرفي» اي اللغة؛ ٢) الكارثة البيئية، او خصخصة الطبيعة الخارجية (عن طريق الابادة التدريجية للغابات والبيئات الطبيعة لاغراض استخراج الموارد)؛ ٣) علم التعديلات الوراثيات، اي خصخصة الطبيعة الداخلية، او الكيان الباطني للبشر.

اما التناقض الرابع فهو الشكل الجديد من التمييز العنصري الاجتماعي، نقصد الفصل الاجتماعي والجسدي بين «المستبعدين» و«المستوعبين» وابرز ما يظهر في المراكز المدينية حيث التواصل الفعلي بين مستوعبين ومستبعدين. في هذه الحالة، تجري خصخصة المجتمع الدولتي، اي المدى حيث تشتغل فيه الدولة، (والمقصود انه يجري حصره بعدد محدود من البشر) وُيرى الى المستبعدين على انه يشكلون خطر الانتهاك14.

ان المستبعدين هم بروليتاريا ايامنا هذه «انهم الذوات التحريرية في نهاية المطالف... وهم اعضاء جماعة او دولة لكنهم لا يملكون مكانا محددا او هوية معيّنة داخل هذه او تلك»15.

يرى جيجك ان الطاقة الثورية تكمن في هذه التناقض الرابع، ذلك ان التناقضات الثلاثة الاخرى يمكن تغليفها في مصطلحات حيادية سياسيا (حيث الكوارث البيئية تتحول الى تنمية مستدامة، والملكية المعرفية الى مسألة قانونية، والتعديلات الجينية الى مسألة اخلاقية) فيمكن معارضها دون التصدي للتناقص بين المستوعبين والمستبعدين. فإذا ما عينّا تلك المسائل الثلاث بما هي ميدان النزال ضد الرأسمالية الكونية، فإننا نجانب التصدي للمسألة الرئيسية.

من هنا ان الامل في تغيير جذري يقع في المستبعدين، تلك الفئات الاجتماعية التي تفتقر الى موقع محدد «في النظام الخاص للتراتب المجتمعي». ولا يجوز الخلط بين هذه الفكرة عن المستبعدين وبين التعريف الديمقراطي الليبرالي للمستبعدين بما هم «الاصوات الاقلية» (اي جميع الاقليات الدينية والثقافية والجنسية المطلوب التسامح معها او حمايتها) وهو خلط يفقد التاقض طابعه السياسي ويحجب مضمونه التناقضي16.

جيجك على حق، الى حد ما، في تعيين امكانية الثورة على انها صادرة عن المستبعدين. ففيما اقطار عربية مثل تونس وسورية تخلت تدريجيا عن انظمتها الدولتية وبدأت الانتقال الى اقتصاديات السوق، تفاقمت الانقسامات الاجتماعية وقد كانت اصلا عميقة. فإذا المواطنون العاديون، وقد كانوا يعانون اصلا من مصادرة نخب الانظمة لمؤسسات الدولة وتسخيرها لصالحها، اخذوا يواجهون التمييز الاجتماعي الذي يتحدث عنه جيجك. في سورية، كانت مناطق مثل درعا، حيث انطلقت الثورة، تنتمي الى الاطراف التي تعرضت لاهمال مديد من قبل الحكومة المركزية وقد فشلت في الاستثمار في تلك المناطق واطلقت يد بطانة النظام وزبانيته في الاعتداء على ثرواتها الطبيعية. في تونس، تركزت الاستثمارات في المدن الشمالية المحيطة بالعاصمة، فيما المناطق الطرفية، مثل سيدي بوزيد، حيث انطلقت الثورة، كانت مناطق مهملة وسكانها فاقدي الامل.

ولكن ما الخطوة التالية، اين هي نقطة القطع؟ كيف تنتقل هذه البروليتاريا الجديدة الى النمط الثوري؟ ليس يملك جيجك أجوبة دقيقة عن الكيفية التي تتم بها هذه العملية، ربما لأنه لا يأتي جواب عندما يكون المرء في معرض في التخمين عن الثورة قبل ان تندلع. ولكن جوابه يفيد: انه النشاط الجذري الخالص، الذي يسمّيه «الفعل». و«الفعل» يتضمن مجازفة كبيرة، التي يسمّيها «جنون القرار». وهي مجازمة لأنها «تغيّر على نحو استرجاعي كافة المعطيات التي تتدخل فيها»17.

2. «تنظر القطةُ الى أسفل، فترى ان لا ارض صلبة تحتها، فتسقط».

مقياس آخر من مقاييس الوصول الى نقطة القطع في الثورة يلقى افضل تفسير له في استعارة «غير لائقة» من مسلسل «توم آند جيري» الذي يصف الانفتاح المؤقت في بداية الثورة او الفوضى السائدة خلالها حيث لم يعد واضحا من هو في السلطة ومن هو خارجها.

«تعرفون انه في مسلسل الصُوَر المتحركة «توم آند جيري» غالبًا ما يوجد مشهدٌ حيث القطة تمشي فوق هاوية وليس الا الفراغ تحت قوائمها، لكنها لا تسقط. عندما تنظر الى تحت فترى ان لا أرض صلبة تحتها، إذذاك تهوي ساقطة. ان الذين في السلطة يجب ان يجدوا أنفسهم في مثل هذا الوضع لكي يسقطوا. الى وضع كهذا يجب ان ندفع بمبارك، بحيث يكون فوق هاوية وليس لديه ما يتمسك به»18.

3. «البدء من البداية» او تكرار الثورة

ان قانونا من قوانين لينين يكتسب جدوى استثنائية بل قدرة استشرافية لايامنا هذه، هي نصيحته الى الثوريين بأن «يبدأوا من البداية». والمقصود العودة الى نقطة بداية الثورة وعدم التشبث بالموقع الحصين الذي بلغته. أدرك لينين انه بعد المرحلة الاولى من الثورة، يصير من الضروري المجازفة بالانتقال الى المرحلة الثانية اي تكرار الثورة. فالمشكلة في المرحلة الاولى انها تحافظ على شكل السلطة القديمة، ويسود خلالها الظن بأنه يمكن بلوغ الحرية والعدالة بمجرد استخدام مؤسسات الدولة القديمة لاغراض ديمقراطية. اي ان انصار الثورة الاولى يريدون اسقاط النظام الرأسمالي باستخدام شكل الديمقراطية الرأسمالية. وكما يشير جيجك، تلك هي الحالة النموذجية لـ«نفي النفي» الهيغلي: «يجري نفي العهد القديم أولًا داخل شكله الايديولوجي ــ السياسي ذاته» ومن ثم يتعيّن نفي هذا الشكل ذاته. اما في المرحلة الثانية من الثورة (اذا ما قيّض لها ان تتحقق) فيجري اسقاط الشكل ذاته (اي مؤسسات الدولة). اما الذين يخافون ان يخطوا الخطوة التالية فإنهم يريدون «الثورة دون الثورة»!19.

يمكن التمثيل هنا بالتجربة التونسية بل بمسار الثورة المصرية ايضا والى حد ما. ففي حين جرى اسقاط النظام، وحلقته الضيّقة، ظل شكله على حاله تقريبا، وبقيت الحاجة لاجراء اصلاح جدي في مؤسسات الدولة من اجل تحقيق المزيد من الاستيعاب المجتمعي.

4. تبرير الثورة بالثورة

الشرعية مسألة خلافية اخرى في الثورات. إذا اخترنا دعم الثورة فعلينا التخلي عن اي تعلّق بالديمقراطية الليبرالية لأن الثورة الحقيقية هي التي تحصل في حالة استثنائية دون شرعية. إن «الفعل» ينتج شرعيته بذاته20. يلاحظ جيجك ان لينين ليس يعتقد بأن على الثورة ان تتأجل بسبب عدم نضج الطبقة العاملة او لأن غالبية السكان ليست تؤيدها. ان الثورة تجيز نفسها بنفسها، والثوريون ليسوا بحاجة الى إذن من «الآخر الكبير». وليس يحتاج الفعل الثوري الى تغطية من «الآخر الكبير» بل يسعنا القول انه يجري ضد فكرة «الآخر الكبير» اصلا. ذلك ان السعي الى الشرعنة يخفي «خوفًا من هاوية الفعل» يتستّر خلف القوانين والانظمة. وهكذا فانتظار نضوج «الظروف الموضوعية» للثورة يعني الانتظار الى الابد21.

لفهم ذلك، علينا تغيير مفهومنا للدولة وان ننظر اليها من منظار المضطهدين، الذين يرون فيها اداة للسيطرة الطبقية وأداة للعنف بالتالي. وإن اشارة جيجك الى روبسبيير تفسر هذه النقطة بإيجاز حيث يقول «إن قتل الملك لا يلقى تبريره في البرهنة على ان الملك قد ارتكب جريمة ما، إن مجرد وجود الملك هو الجريمة عينها، هو اساءة لحرية الشعب»22.

ان الشعار الليبرالي الذي يقول ان العنف قد يكون ضروريًا أحيانا ولكنه ليس شرعيا ابدًا ينبغي قلبه رأسا على عقب، عندما يتعلق الامر بالعلاقة بين أجهزة الدولة والمضطهدين. عند هؤلاء العنف دوما شرعي («ما دام وجودهم هو محصلة عنف») ولكنه ليس ضروريا ابدًا23

http://www.spikes-online.com/Articles/

00000002D2C4.htm.

هكذا فإذا نظرنا الى الثورات العربية من هذا المنظار، نقول انه شرعي للمحتجّين أن يمارسوا العنف الدفاعي ضد الدولة. وهذا ما يصعب على البلدان الغربية فهمه، حيث يدان «العنف من الطرفين» (الثوار من جهة وأجهزة الدولة الأمنية والبلطجية والشبيحة من جهة اخرى) على الرغم من الأدلة الوفيرة على من هو المعتدي.

5. التضامن الكوني

ولكن ما الذي يجري اذا ما استولى المستبعدون على السلطة؟ يقول جيجك في المقام الاول، علينا ان نؤمن بنوع من الكونية السياسية الاصيلة، بـ«التضامن النضالي» حيث تدرك مختلف الفصائل المعادية للرأسمالية، من النسويين الى البيئيين الى مزارعي العالم الثالث، ان نضالاتها المختلفة هي في نهاية المطاف نضال كوني واحد ضد رأس المال. وهذا التضامن الاصيل حيوي في ما يسمّى «عصر ما بعد السياسة» حيث جري خفض السياسة الى مجرد تنازلات تفاوضية ومعاملات ادارية.

واذا ما ربطنا ذلك بالثورات العربية، يقول جيجك ان هذه فضحت «مدى الرخص والتفاهة» في التعددية الثقافية (اي الاحترام المتبادل للثقافات) على طريقة الاونسكو، لأنه عندما يقاتل الشعب الطغاة، بغض النظر عن مصدرهم، فانهم يتضامنون فورا في ما بينهم. ان التضامن الكوني مبنيّ على النضال من اجل الحرية. يقول جيجك في مقابلة له على «الجزيرة»: «ما جرى في تونس، ما يجري الآن في مصر، هو تحديدا تلك الثورة الكونية من اجل الكرامة وحقوق الانسان والعدالة الاقتصادية: انها الكونية قيد التطبيق»24.

6. «في توسيخ الايدي»

ان تكون لينينيا، في عرف جيجك، يعني ان لا تخشى من «توسيخ يديك». وبدلا من ان يكون ناقدا اخلاقيا للسلطة، ينبغي على اليسار ان «يقبض» على السلطة,يقول جيجك في مقابلة صحافية25. بعبارة اخرى، على المحجتين عموما، ان يقرروا كيف يكونون ناشطين سياسيا. عندما اندلعت الاضطرابات ضد العولمة في اواخر التسعينيات من القرن الماضي، كان الاعلام الرسمي قد بدأ يحذّر من أن الماركسية قد عادت وأخذت تتلاعب بـ«المحتجين الابرياء». طبعا السؤال بالنسبة لجيجك هو كيف تحويل تلك الاتهامات الى وقائع، اي كيف تحويل تلك الاضطرابات وتلك الراديكالية الى بنية تنظيمية قادرة على عدم الاكتفاء بالتعبير عن مطلب سياسي، وانما قادرة ايضا على الاستيلاء على السلطة. دون هذه الخطوة الواجبة، سرعان ما تفقد الحركة المناهضة للرأسمالية زخمها وتصير مجرد «اضطراب هامشي». بعبارات اخرى، دون الشكل التنظيمي للحزب، سوف تكون لدينا سياسة دون سياسة وثورة دون ثورة26.

هذا وصف مناسب للمعضلة التي تواجه الآن المحتجين الشباب الذين شكلوا قاطرات الثورات العربية. فما ان تهدأ الاحداث، وتدخل الثورة المرحلة الاولى حسب تسمية لينين (وهي في هذه الحالة مرحلة الانتقال الى الديمقراطية) يجد المحتجون الشباب أنفسهم دون دور او هوية، واذا هم عاجزون عن ممارسة نفوذ يُذكَر فيما احزاب المعارضة التقليدية (مثل النهضة في تونس والاخوان في مصر) وفلول الانظمة تستولي على المشهد السياسي وتدير عملية الانتقال حسب مصالحها. ان غياب اي بنية تنظيمية للثوريين، وفي حالات عديدة ممانعتهم تكوين مثل تلك البنى التنظيمية، مثّل نقطة ضعف رئيسة لم يبدأ الاعتراف بها إلا في الآونة الاخيرة. والسؤال الاساس هو: هل ان الشباب الثائر سوف يكتفي بمجرد تنظيم احتجاجات جماهيرية ضد مؤسسات السلطة، ام تراهم يريدون الانتقال الى المرحلة الثانية، وبدء المعركة من اجل تسلم السلطة؟ وهل هم مستعدّون لتلك المعركة؟

في محصلة الامر، جيجك براغماتي جدا في ما يتعلق بمآل الثورات العربية. هذا ما يقوله عن مصر: «ان رد الفعل الغالبة على الرأي العام الغربي تجاه التحالف بين الاسلاميين والجيش سوف يكون بلا شك استعراضا ظفراويا للحكمة التشكيكية: سوف يقال لنا انه في حالة ايران، تنتهي الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية دومًا بظهور الحركات الاسلامية الجهادية. وسوف يبدو مبارك الاقل سوءا بين شرّين، فيقال انه خير لنا ان نبقي على قديمنا على جديد لن يدوم لنا». لكنه يظل متمسكا بالامل إذ يختم: «ضد مثل هذه النزعة التشكيكية، يجب ان يبقى المرء وفيًا وفاء غير مشروط للنواة التحررية الجذرية التي تنطوي عليها الانتفاضة المصرية»27.

  • 1. Frederic Jameson, «First Impressions: The Parallax View by Slavoy Zizek», London Review of Books, vol. 28, no. 17, 7 September 2006, p.7.
  • 2. Tony Myers, Slavoj Zizek, London، Routledge, 2003, p. 296.
  • 3. المصدر ذاته، ص ٢٩٩0.
  • 4. المصدر ذاته، ص 309.
  • 5. المصدر ذاته، ٣١٢.
  • 6. Zizek, Mapping Ideology, London, Verso, 1994، p. 312.
  • 7. جيجك، المصدر ذاته.
  • 8. المصدر ذاته، ص ٣١٤.
  • 9. المصدر ذاته .
  • 10. المصدر ذاته ص 5 ـ 314.
  • 11. المصدر ذاته، ص ٣١٦.
  • 12. المصدر ذاته
  • 13. Slavoj Zizek, «A Cyberspace Lenin: Why Not?», International Socialism Journal, no. 95, Summer 2002, http://pubs.socialistreviewindex.
  • 14. Slavoy Zizek, «How to Begin From the Beginning», New Left Review, no. 57, May-June 2009, p. 54.
  • 15. http://fillip.ca/content/the-day-after.
  • 16. Slavoj Zizek, «How to Begin from the Beginning», New Left Review, no. 57, May-June, p. 55.
  • 17. Zizek, Welcome to the Desert of the Real, p. 153.
  • 18. تلفزيون الجزيرة، شباط ٢٠١١.
  • 19. تجدر الملاحظة ان المسألة فيما يتعلق بالثورات العربية هي الشكل الاستبدادي للسلطة في مقابل الشكل الديمقراطي. Zizek, Cyberspace Lenin: Why Not?
  • 20. المصدر ذاته، ص ١٥٣.
  • 21. المصدر ذاته.
  • 22. Slavoj Zizek, «A Permanent Economic Emergency»، New Left Review, no. 64, July-August 2010, p. 89.
  • 23. جيجك، المصدر ذاته Slavoj Zizek, «The One True Measure of Love is: You Can Insult the Other», Spiked Culture, 15th November 2001:
  • 24. الجزيرة، شباط ٢٠١١.
  • 25. Jonathan Derbysgire, «Interview with Slavoj Zizek», The New Statesman, 29 October 2009.
  • 26. Zizek, A Cyberspace Lenin: Why Not?
  • 27. London Review of Books, August 2012.
العدد الثاني - صيف ٢٠١٢

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.