العدد السابع - شتاء ٢٠١٤

انتهاء الحوار الوطني في اليمن... بداية الحروب

النسخة الورقية

من بين البلدان العربية التي شهدت ثورات شعبية، قدم اليمن نموذجاً مختلفاً. تنحي الرئيس علي عبد الله صالح استغرق قرابة عام، ولم يأت إلا بعد محاولة اغتيال كادت تودي بحياته، وبعد مبادرة خليجية تضمنت اختيار نائبه عبد ربه منصور هادي رئيساً انتقالياً لمدة عامين (تنتهي ولايته في ٢١ فبراير/ شباط ٢٠١٤)، وإقرار إجراء حوار وطني ليكون بمثابة مقدمة لوضع رؤية جديدة لمستقبل البلاد.
الحوار الذي انطلق في ١٨ مارس/ آذار ٢٠١٣ بمشاركة ٥٦٥ شخصاً يمثلون الأحزاب والقوى السياسية، فضلاً عن مجموعة من الناشطين والحقوقيين، اختُتمت أعماله في ٢٥ يناير/ كانون الثاني. وتوّج الحوار بتوقيع ما يعرف بـ«وثيقة الحوار الوطني» و«ورقة ضمانات» لتنفيذ البنود الواردة في الوثيقة، على أن يكون اليمن على موعد مع مرحلة جديدة عنوانها تطبيق مخرجات الحوار وصياغة دستور جديد، سيكون للشعب الكلمة النهاية في إقراره عبر استفتاء شعبي.
الانقسام الذي رافق التحضير للمؤتمر ومن ثم انطلاقته، انعكس خلافات بين القوى المشاركة فيه، ترجمت عبر انسحابات تركزت داخل مكون الحوار الجنوبي، استمر حتى إلى ما بعد إعلان انتهاء أعماله.

تقويم النتائج
تتباين الآراء حيال تقويم مخرجات المؤتمر، وتنقسم إلى اتجاهين رئيسيين: أصحاب الاتجاه الأول يتحدثون عن نجاح الحوار الوطني، ويستندون إلى مخرجاته في القضايا التسع التي تولّى العمل عليها، وهي: «القضية الجنوبية» (حيث يتصاعد مطلب فك ارتباط الجنوب عن الشمال والعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الوحدة في ١٩٩١)، «قضية صعدة» (تسيطر جماعة أنصار الله عليها وتشهد أخيراً معارك متقطعة بين أنصار الله وسلفيين ورجال قبائل يتبعون قبلية حاشد وآل الأحمر تحديداً)، «قضايا ذات بعد وطني والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية»، «بناء الدولة»، «الحكم الرشيد»، «أُسس بناء الجيش والأمن ودورهما»، «استقلالية الهيئات ذات الخصوصية»، «الحقوق والحريات»، وأخيراً «التنمية (الشاملة والمتكاملة والمستدامة)».
لا يتوقف هؤلاء عن التأكيد أنّ نقلة نوعية ستحدثها مخرجات الحوار، مبشّرين بـ«يمن جديد». يعتقدون أن الدعم الخليجي والدولي، بما في ذلك تهديد مجلس الأمن الدولي المتكرر بفرض عقوبات على معرقلي التسوية السياسية والحوار، سيضمن تنفيذ المخرجات وعبور آمن إلى صيغة جديدة من شكل الدولة. كذلك يطالب هؤلاء بعدم التسرّع في الحكم على فشل المؤتمر، على اعتبار أنه لم يكن بالإمكان تحقيق أفضل من ذلك، وخصوصاً في بلد حكمه شخص واحد لمدة ٣٣ عاماً ويُعَدّ ثاني بلد في العالم من حيث امتلاك مواطنيه للسلاح. ويشددون على أن تنفيذ المخرجات يحتاج إلى بعض الوقت، والدولة بمؤسساتها المختلفة لا تملك عصاً سحرية ستنهي المشاكل برمتها بين ليلة وضحاها.
في المقابل، هناك تيار آخر يرى أن في مخرجات الحوار الوطني، الذي امتدت أعماله لعشرة أشهر، أولى خطوات تدمير اليمن، وأن الأيام ستكون كفيلة بتأكيد ذلك.
الأسباب التي تدفع هؤلاء إلى هذا الاعتقاد عديدة، تختصرها مجموعة تساؤلات عمّا قدّمه الحوار وتقويم مفصّل لوثيقة الحوار التي اعتمدها المؤتمر إلى جانب ورقة الضمانات.
انطلاقاً من أن الحوار أتى بعد الثورة الشبابية والمبادرة الخليجية، فإن التساؤل الأكثر مشروعية: هل حقق الحوار مطالب الثورة الشعبية ومهّد لانتزاع الشعب لقراره من مراكز النفوذ والقوى التقليدية؟ الإجابة قطعاً لا.

ماذا تغير بعد الحوار؟
على العكس من ذلك، ربما نجح الحوار في تعزيز مراكز هذه القوى، وتحديداً تلك التي كانت حليفة للرئيس السابق علي عبد الله صالح طوال سنوات، وتخلت عنه مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية لتنتقل إلى معسكر الثورة، ومن ثم الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي.
وضعٌ دفع كثيرين إلى الحديث عن إعادة إنتاج حلف ١٩٩٤ الذي قاد حرب فرض الوحدة بالقوة في الجنوب، على أنّ المتغيّر الوحيد في هذا الحلف هو استبدال صالح بهادي، في مقابل احتفاظ كل من حزب «التجمع اليمني للإصلاح» ومستشار الرئيس، الجنرال علي محسن الأحمر، بموقعيهما، إلى جانب مجموعة من مراكز القوى والفساد التي لطالما تحكّمت باليمن.
أما الأحزاب الأخرى، وتحديداً الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الناصري، بوصفهما أبرز أحزاب المعارضة المشاركة في الحوار إلى جانب التجمع اليمني للإصلاح، فقد أثبتا أن التعويل على أي دور لهما في تغيير نتائج مخرجات الحوار كان خاطئاً، إذ إنهما سارا في ركب التسوية السياسية ولم تكن اعتراضاتهما سوى اعتراضات شكلية.

الانقسام الذي رافق التحضيـر للمؤتمر ومن ثم انطلاقتـه، انعكس خلافات بين القوى المشاركة فيه، ترجمت عبر انســحابات تركزت داخل مكون الحوار الجنوبي، استمر حتى إلى ما بعد إعلان انتهاء أعمــاله

يبقى الأهم: هل فعلاً يهيئ الحوار وتوصياته لحلّ أبرز القضايا الشائكة في اليمن؟ مجدداً، النفي هو الجواب الأقرب إلى الصواب.
التوقف عند الحلول المطروحة لتغيير شكل الدولة، القضية الجنوبية، وقضية صعدة يكشف عمق الفشل الذي انحدر إليه الحوار وبعض من التداعيات الخطيرة المتوقع أن تنتج من مخرجاته في ما لو وجدت طريقها إلى التطبيق.

دولة اتحادية ملغَّمة
البداية من الجدل حول شكل الدولة. اختيار تحويل الجمهورية اليمنية إلى دولة اتحادية عبر تقسيم البلاد إلى أقاليم، يصوَّر على أنه أهم قرار اتخذ في الحوار باعتباره الإعلان الأكثر وضوحاً عن أن الوحدة اليمنية التي أقرت في ١٩٩٠ بين الشمال والجنوب بصيغتها الراهنة لم تعد مجدية.
لكن لا يوجد مسؤول يمني واحد اليوم، بمَن فيهم هادي، قادر على الإجابة عن سبب اختيار صيغة الأقاليم، وعن كيفية توزيع الصلاحيات بين الأقاليم والسلطة المركزية.
والأهم أنه حتى اليوم، لا يُعرف بعد عدد الأقاليم المنويّ استحداثها، وهل ستقتصر على إقليمين شمالي وجنوبي، كما تنادي بعض الاحزاب، وتحديداً الحزب الاشتراكي اليمني، أم أن اليمن سيتحوّل إلى دولة اتحادية من ٦ أقاليم (٤ في الشمال، ٢ في الجنوب)، كما يفضل تحالف الحكم الجديد لقطع الطريق على أي احتمال أمام انفصال الجنوب.
رفعُ البعض الصوت عالياً للتحذير من تقسيم اليمن إلى إقليمين أو ٦ أقاليم في هذه المرحلة لا يعكس تمسكاً بمركزية الدولة، أو رفضاً لحل القضية الجنوبية بقدر ما يهدف إلى تسليط الضوء على أن المشكلة الحقيقية تكمن في عجز الدولة عن إدارة البلاد واتخاذ قرارات مصيرية.
فهل إطلاق سراح شباب الثورة، الذين لا يزالون في السجون يحتاج إلى الفدرالية، أم هل تحقيق العدالة الانتقالية والقصاص لشهداء الثورة وكشف مصير المختفين قسراً يحتاج إلى الفدرالية؟
كذلك هل تخفيف الاحتقان في الجنوب عبر إعادة حقوق المسرحين ظلماً من وظائفهم بعد حرب ١٩٩٤ التي أُعيد فيها فرض الوحدة بالقوة يحتاج إلى دولة فدرالية؟ أم أن إطلاق سراح أحمد العبادي المرقشي حارس صحيفة «الأيام»، الذي صُدِّق على حكم إعدامه مطلع فبراير/ شباط يحتاج إلى الفدرالية؟ أم وقف القصف العشوائي والعنيف الذي يتعرض له أبناء محافظة الضالع الجنوبية يحتاج إلى الفدرالية؟
بالتأكيد، أيٌّ من هذه القرارات لا يحتاج إلا إرادة، يبدو أن الرئيس اليمني والنخبة السياسية اليمنية الحاكمة التي شاركت في الحوار لا يزالان يفتقدانها، وهو ما دفعهما إلى الهرب إلى الأمام عبر الدفع بخيار الفدرالية دون أي دراسة موضوعية لنجاعته في الحفاظ على الوحدة أو حتى القضية الجنوبية.

القضية الجنوبية: حلول تعجيزية
صون الوحدة وحل القضية الجنوبية، تحديداً، تحوّل إلى حجة يبرّر باسمها النظام جميع ما يتخذه من قرارات، سواء داخل جدول أعمال الحوار أو خارجه. لكن ما جرى في الحوار يمكن وصفه بأنه من أسوأ عمليات تزوير إرادة الجنوبيين في اليمن.
البداية كانت مع لجوء الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، إلى القيادي الجنوبي، محمد علي أحمد، الذي كان يقيم في الخارج وعاد قبل الحوار بفترة قصيرة إلى اليمن، ومجموعة أخرى من الشخصيات لتمثيل «الحراك الجنوبي» في الحوار الوطني.
كان هادي يدرك تماماً أن هؤلاء ليسوا بممثلين حقيقيين، وخصوصاً أن التيار الرئيسي في «الحراك» المُطالِب بفكّ الارتباط بين الشمال والجنوب، والذي يتقدمه نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض رفض المشاركة بشكل مطلق. وهو موقف اتخذته أيضاً أبرز الوجوه المحسوبة على التيار المنادي بالفدرالية كحل للقضية الجنوبية، لأنها كانت تعتقد أن التهيئة غير السليمة التي رافقت الإعداد للحوار، ستنسحب على أعماله ومخرجاته.
اعتقاد ثبتت صحته لاحقاً، إذ اضطر محمد علي أحمد ومجموعته إلى الانسحاب، ليلجأ هادي إلى شق صفّهم للإبقاء على وجوه جنوبية، وللقول إنها تمثل «الحراك»، مع التشديد على أن مخرجات القضية الجنوبية وورقة الضمانات كفيلة بمعالجة القضية.
التدقيق في توصيات فريق عمل القضية الجنوبية الوارد في الوثيقة النهائية للحوار يكشف عن عدم إدراك لخطورة الحلول المطروحة لمعالجة القضية. المبدأ العاشر ينص على أنه «خلال الدورة الانتخابية الأولى بعد تبنّي الدستور الاتحادي، يمثل الجنوب بنسبة خمسين في المئة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها الجيش والأمن، التي يجري التعيين فيها بموجب قرارات يصدرها رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. ويمثل الجنوب كذلك بنسبة خمسين في المئة في مجلس النواب».
أما المبدأ ١١من الوثيقة نفسها فينص على أنه «يجب معالجة عدم المساواة في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والأمن على المستوى المركزي عبر قوانين ومؤسسات وبما يضمن إلغاء التمييز وتكافؤ الفرص لجميع اليمنيين، ومن أجل معالجة تفاوت التمثيل في التوظيف، يكون للجنوبيين أولوية في شغل الوظائف الشاغرة والتأهيل والتدريب في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والأمن، ويجب أن تحترم التعيينات متطلبات الخدمة المدنية المتعلقة بالمهارات والمؤهلات، ولا يحق صرف أي موظف بشكل تعسفي».
عضو اللجنة التحضيرية للحوار، ماجد المذحجي، الذي استقال من منصبه إلى جانب رضية المتوكل بعد رفض اللجنة اعتماد ما يعرف بالنقاط العشرين، وهي مجموعة من الإجراءات كان يجب اعتمادها قبل انطلاق الحوار لضمان نجاحه، قدم قراءته لهذين المبدأين في ورقة حملت عنوان «وثيقة حل القضية الجنوبية: لماذا هي تقوض اليمن وتُديم صراعاته؟» نشرت على الموقع الإلكتروني للمفكرة القانونية. يعتبر المذحجي أن النص «يُقرر للجنوب كجغرافيا ٥٠% من كل شيء، ويُقرر للشمال النسبة المماثلة تماماً، مُهملاً حقائق التفاوت السكاني، ومركزاً على أفضلية الهوية الجهوية وامتيازها لشاغل الموقع العام على أفضلية كفاءته واستحقاقه».
من بين مخاوفه التي طرحها أنه: «إذا أقررنا ضرورة ذلك ضمن فكرة أن الموضوع مؤقت وضروري، فلم يُجب أحد كيف سيتم تدبير انتخاب مجلس تشريعي بناءً على نسبة ٥٠% للشمال والجنوب، هل سيصوت الناس على أساس جهوي، بمعنى أن الجنوبي سيختار فقط الخمسين بالمئة الخاصة به والشمالي كذلك، وهل ستتشابه طرق الانتخاب وقواعده المنظمة في ظل التفاوت في العدد بين الطرفين المفصولين جذرياً وفق ما يوحي به نص المادة، ومن هو الجنوبي هنا والشمالي كذلك، هل هم أعراق؟! فإذا كنا نفهم الجنوب كجهة جغرافية في التصنيف العام، فلا أدري كيف يمكن عكسها على الواقع واعتمادها لتحديد وفرز السكان بشكل نقي وجراحي، ومن ثم انعكاسها على طريقة ممارستهم حقوقهم بناءً على هويتهم الجغرافية هذه...».

التوقف عند الحلول المطروحـة لتغيير شكل الدولة، القضية الجنوبيـة، وقضية صعدة يكشف عمق الفشـل الذي انحدر إليه الحوار وبعض من التداعيات الخطيرة المتوقع أن تنتج من مخرجـاته في ما لو وجدت طريقها إلـى التطبيق

أما في ما يتعلق بالجيش وأجهزة الأمن، فيتساءل المذحجي: «هل سيتم إحصاء الأفراد وفرزهم بناءً على هوياتهم الجديدة المستحدثة، لتحديد ماهية النقص في عدد الجنوبيين أو الشماليين، رغم ما لذلك من تداعيات مثيرة للانقسام والضغائن خصوصاً في جيش وأجهزة أمنية يُفترض أن يكون طابعها وطنياً جامعاً غير تمييزي!...»، ليخلص إلى أن «النص الذي يريد إنشاء دولة وطنية اتحادية عادلة، يؤسس صراع مصالح بين السكان في الشمال والسكان في الجنوب».
ملاحظة إضافية لا تقلّ خطورة يشير إليها المذحجي تتعلق بالمبدأ رقم ١٤ الذي ينص على أن «ينتمي جميع أبناء الشعب في اليمن، مهما كان موطنهم الإقليمي، إلى جنسية وطنية واحدة، وهم متساوون في الحقوق والواجبات، ولكل مواطن يمني، من دون تمييز، حق الإقامة والتملّك والتجارة والعمل أو أي مساعٍ شخصية قانونية أخرى، في أي ولاية أو إقليم من الدولة الاتحادية». ويتساءل المذحجي: «لماذا حصر حقوق المواطن اليمني في الإقامة والتملك والتجارة والعمل أو أي مساعٍ شخصية مشروعة، هل يعني هذا أنه لا يحق له ممارسة حقوقه السياسية أو المدنية الأخرى ما لم يكن في إقليمه، ولا يستطيع أن يكون مرشحاً أو ناخباً أو ناشطاً سياسياً أو مدنياً ما لم يكن في إقليمه الأصلي؟». هكذا يظهر أن الحلول المطروحة لحل القضية الجنوبية إنما هي في طبيعتها لا تعدو سوى مقدمة لتعقيدها.

مخرجات صعدة والاختبار الفاشل
الفشل في طرح حل واقعي للقضية الجنوبية ينسحب أيضاً على قضية صعدة التي تُعتبر جماعة «أنصار الله» أو ما يعرف بالحوثيين، أبرز القوى الفاعلة فيها.
فريق صعدة في الحوار الوطني، قدم ٥٩ اقتراحاً كحلول وضمانات للقضية ركزت على مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبما يحافظ على حقوق الممارسة الدينية لمختلف الأطراف الموجودة في صعدة (المادة ٢)، فضلاً عن تحريم وتجريم استخدام الجيش في الصراعات الداخلية (المادة ١٥)، إلى جانب نزع واستعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من كافة الأطراف والجماعات والأحزاب والأفرادي التي نهبت أو تم الاستيلاء عليها... ويمنع أيضاً امتلاك الأسلحة الثقيلة والمتوسطة عن طريق التجارة ويكون ملك هذه الأسلحة حصرياً على الدولة وينظم قانون حيازة السلاح الشخصي (المادة ٢٠).
قبل أسابيع من انتهاء الحوار، كانت هذه المواد على وجه التحديد عرضة لأول اختبار لها، إذ اندلعت حرب بين السلفيين الموجودين في دار الحديث في دماج، وبين جماعة أنصار الله، سرعان ما اتسع نطاقها ليشمل معارك مع القبائل تتقدمها قبلية حاشد، كبرى القبائل اليمنية، وتحديداً عبر آل الأحمر.
الحرب أفضت إلى خروج السلفيين من دماج وتمدد أنصار الله وتعزيز سيطرتهم على أكثر من محافظة، على غرار ما أفضت إليه ٦ حروب كانت الدولة قد خاضتها ضد الجماعة وانتهت بمجملها إلى تمدد أنصار الله إلى مناطق خارج صعدة أخرى باتت تشمل اليوم عمران وحجة وأرحب، مستفيدة من خبرات قتالية اكتسبتها على مدى سنوات، ومصرة على أنها في كل مرة تكون في موقف المعتدى عليه وتضطر الدفاع عن نفسها.
وتحاجج الجماعة بأنها لم تتأخر في الانخراط في العمل السياسي، بما في ذلك الحوار، واضطرت إلى دفع الثمن غالياً عبر اغتيال اثنين من أبرز ممثليها في الحوار عبد الكريم جدبان وأحمد شرف الدين. لكن استمرار الحرب وفشل أي وساطة لإنهائها باستثناء تلك التي أخرجت السلفيين من دار الحديث، أظهرت بوضوح عجز الرئيس أو مؤسسة الحوار الوطني على إيقاف هذه الحرب، على الرغم من أن مختلف الأطراف المشاركة في الحوار هي نفسها المشاركة في الحرب.
ثنائية المشاركة في العملية السياسية، وتحديداً عبر الحوار إلى جانب رفع السلاح، سواء من قبل انصار الله وآل الأحمر وحتى الإصلاح الذي يتهم أيضاً بالمشاركة في الحرب الدائرة حالياً، تختصر حقيقة العقلية التي تسيطر على أبرز القوى المشاركة في الحوار، ومفادها الاعتماد أولاً وأخيراً على القوة كمنطلق لإثبات الوجود السياسي. وهي تثبت صحة الرأي القائل بأن الاعتماد على التزام أي من هذه القوى إنجاحَ الحوار عبر تنفيذ مخرجاته لم يكن أكثر من مجرد وهم، ليتبين أن الحوار بعد انتهاء أعماله، وعوض تأسيسه لمرحلة جديدة تلبي على الأقل جزءاً من طموحات اليمنيين، أنهى أعماله بحرب جديدة في الشمال واستمرار المظالم نفسها في الجنوب، ليفشل في الانتصار لأي من القضايا العادلة والجوهرية التي طرحت على طاولته.
هكذا، يبدو أن مهمات الحوار اقتصرت على إعادة توزيع كعكة السلطة بين مراكز القوى التقليدية بعد انضمام هادي إليهم، وضمان عدم إقرار ما يهدد مصالحهم في المستقبل، مستفيدين من خفوت تأثير الشباب المشارك في الحوار ومن التهيئة الخاطئة للحوار، التي ثبت أنها كانت أساسية لضمان نجاحه لا فشله.

وسوم
العدد السابع - شتاء ٢٠١٤

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.