العدد الثاني - صيف ٢٠١٢

إريك رولو

صحافي كبير في العصر الذهبي للتحرر العربي

النسخة الورقية

ولد في ١ تموز ١٩٢٦ في القاهرة، ومارس الصحافة باكرا في القاهرة ثم في باريس التي انتقل اليها على اثر الاجواء التي سادت في مصر تجاه اليهود والشيوعيين بعيد نكبة فلسطين.

تسلّم قسم الشرق الاوسط في «لوموند» اليومية من ١٩٥٥ الى ١٩٨٥ ووصف خلالها بأنه «صحافي كبير في صحيفة كبيرة» عبّر حينها عن عميق معرفته بأوضاع المنطقة وتعاطفه الكبير مع قضاياها وحركاتها التحررية. ربطته علاقة مميزة بالرئيس جمال عبد الناصر وبياسر عرفات والقادة الفلسطينيين والإمام الخميني. عيّنه فرانسوا ميتران اول سفير لفرنسا لدى منظمة التحرير الفلسطينية في تونس خلال الاعوام ١٩٦٥ الى ١٩٨٦. وشغل بعدها منصب سفير فرنسا في انقره الى حين تقاعده العام ١٩٩١. عرف بمعارضته الشديدة للغزو الاميركي للعراق. واظب على الكتابة في «لو موند دبلوماتيك» بعد تقاعده عن العمل الصحافي. تدور مؤلفاته الرئيسية حول قضية فلسطين والمقاومة الفلسطينية والحروب العربية الاسرائيلي. حائز على وسام جوقة الشرف الفرنسي وعضو في محكمة راسل عن فلسطين.

ننشر في ما يلي المقدمة والجزء الاكبر من الفصل الاول من كتاب الصحافي والدبلوماسي إريك رولو بعنوان «مدخل إلى فصول الربيع العربي: الشرق الأوسط بعيدًا عن الأساطير» الذي يصدر قريبا عن دار فايار في باريس. اقتطفنا من المخطوطة التي خصّنا المؤلف بحق ترجمة اجزاء منها التقديم عن حياة المؤلف والقسم المتعلّق بأول لقاء له بالرئيس جمال عبد الناصر، مطلع الثورة المصرية.

نشأتُ في فرنسا، وتلقيت تعليمي في مدارس الجمهورية، ومن بينها تلك التابعة لـ«الرابطة الإسرائيلية العالمية». وكان أبي، بطبيعة الحال، مناصرًا لعلمانية الدولة، ويؤيد الدمج الكامل للمواطنين اليهود في دولتهم، ما جعله عصيًّا على تقبّل أيّ شكل من أشكال الفكر القومي اليهودي. ورغم كونه ملحدًا أو لادينيا ــ لم أتمكن يومًا من تمييز ذلك بدقّة ــ إلا أنه بقي مخلصًا لتقاليد اليهودية. فكان يحيي الأعياد الكبرى ــ الفصح اليهودي، رأس السنة اليهودية، ويوم كيبور ــ غارفًا من كؤوس الخمر التي تُغدق خلال الصلوات الطقسية. وباستثناء التهكّم اللطيف، لم يجد ما يقوله لي، عندما قررت، خلال إحدى نوبات المراهقة، متابعة صفوف مسائية في كِنِيس، بهدف دراسة النصوص المقدّسة (ومن ضمنها التلمود)، وقد كانت تلك التجربة، على ما أظن، مقدّمةً لفقداني الإيمان ــ ومعها مسيرة مهنية حاخامية. كما أنه لم يتصدّ لقراري بالانتساب إلى نادي حركة «هشومير هتساعير» («الحارس الشاب»)، وهي حركة صهيونية ذات ميول ماركسية. وأظن أن أبي، مثلي، كان يجهل تمامًا، تقريبًا، كل ما يمت بصلة للصهيونية والماركسية، وهما أيديولوجيتان خلا منهما بوضوح عالمه الفكري. انسحبت من ذاك النادي بعد عامٍ على انتسابي إليه، بعد خيبة أملي من Hدعائه التوفيق ما بين القومية اليهودية والأممية الماركسية.

الوالد العلماني
والصيف في لبنان

وكان أبي يدّخر المال الكافي ليضمن لنا، كل خمس سنوات، إجازة في لبنان حيث غزارة المياه، ووفرة النبات، وسخاء البساتين، تشكّل عوامل تسلخُنا بسعادة عن مصرٍ القاحلة والجافة. قطارٌ مضعضعٌ من زمنٍ آخر يشقّ طريقه ببطء، وسط صخب حديديّ يصمّ الآذان، يعبر بنا سيناء. ومنها يقلّنا أوتوبيس إلى تل أبيب، لنزور أخي الذي هاجر إلى فلسطين قبل الحرب، يحرّكه حبٌّ للمغامرة أكثر بكثير من الالتزام بالمثل الدينية. لا شيء سواه ربطنا بالأرض المقدسة، حيث كنا نقضي يومين أو ثلاثة لا أكثر، قبل أن نمضي باتجاه أشهر الإجازة الثلاثة في لبنان.

عشنا باندماجٍ تام في المجتمع المصري، الذي حفظ لليهود فيه موقعًا محظيًا. في وسط القاهرة، كانت الأحياء التجارية تغطّ في سبات عميق خلال «يوم كيبور»، أو رأس السنة اليهودية, فتقفل أبوابها مجموعةٌ من أكبر المتاجر، والحوانيت، والمصارف، والشركات التجارية، كما البورصة. أما المقاهي، والمطاعم، ودور السينما، فتعيش خلاله يومًا متباطئًا. وكان يكفي التنزّه في شرايين العاصمة الرئيسية لتقفز إلى العيون أسماء المحال الكبرى الرفيعة المستوى، من «شيكوريل»، و«شملة»، و«غاتينيو»، و«أوروزدي باك»، و«أديس»، و«أوريكو»، و«الصالون الأخضر»، و«الملكة الصغيرة»، كاشفةً عن ثراء عائلات السفارديم.

كان يقارعها في المستوى متجرٌ واحدٌ فقط، وهو «صيدناوي»، المملوك من عائلة مسيحية مهاجرة من سورية، تحمل الاسم ذاته.

حاييم ناهوم أفندي، كبير حاخامات مصر (منذ العام ١٩٢٥ حتى العام ١٩٦٠)، والساهر على شؤون الرعية الدينية، كان في آن معًا عضوًا في مجلس الشيوخ في الأكاديمية الملكية، لِسعة علمه النادرة. متعدّد الألسن، يتقن العربية الفصحى بقدر ما يتقن العبرية والتركية والفرنسية والإنكليزية. وقد أتاحت له البعثات الدبلوماسية التي أشركه فيها السلطان العثماني حتى العام ١٩٢٠، حين كان يشغل منصب كبير حاخامات السلطنة، أن يحافظ على علاقاته في الأوساط السياسية الأوروبية، وهي ميزة وضعها في خدمة السلطات المصرية والجماعة اليهودية لاحقًا. فهو من متخرّجي «الرابطة الإسرائيلية العالمية» في فرنسا، حيث قضى سنوات شبابه، وأتى ليتشارك مع معظم القادة اليهود المصريين قناعات «اندماجية» أو استيعابية، وبالتالي، تحفّظات تجاه الهجرة (بالعبرية «عليا»، أي الصعود) إلى فلسطين. إلا أن خلط اليهود المصريين ما بين مفهومَي الصهيونية والإحسان (ظنًّا منهم أن تبرّعاتهم تسخّر لخدمة اليهود الهاربين من الاضطهاد الأوروبي) أساء إلى قادة الحركة الصهيونية.

في المقابل، وتدريجيًا، وعى وجهاء الجماعة، وعلى رأسهم الحاخام الكبير، لما يمكن للصراع في فلسطين أن يخلّفه من عواقب مؤسفة على اليهود في بلدٍ لا يمكن لأكثريته إلا أن تكون معادية للمشروع الصهيوني. لذلك، بات هاجس متواصل الإشهار بصوت مرتفع قوي النبرة: «يهود ومواطنون مصريون، في آن». وهو فعل قناعة عاد عليهم بدعم القصر والحكومة الحاميين، كما بحفظ العلاقات الطيبة مع النخبة المسلمة، قبل أن تتصاعد حدّة الصراع اليهودي ــ الفلسطيني. بطبيعة الحال، أبدى المصريون تعاطفًا شديد الخصوصية تجاه الفلسطينيين، الجيران الذين رأوهم يجرّدون من جزء من أرضهم، على أيدي أقليّة من المستوطنين الغرباء.

مقابلة صحافية مع حسن البنّا

إثر اندلاع الصراع، وقبل اغتيال حسن البنا في ١٢ شباط/فبراير ١٩٤٩، سنحت لي فرصة إجراء حوار معه، نشرته «الغازيت المصرية»، وهي يومية ناطقة بالإنكليزية منحتني وظيفة الصحافي. وكان البنا حينها المرشد العام لجماعة «الأخوان المسلمين»، وقائد الحملة ضد إنشاء دولة يهودية. وقد أثار فيّ لقاؤه انزعاجًا مبهمًا.

قصير القامة، ممتلئ الجسم، استبدل بذلته الأوروبية بجلبابٍ واسعٍ أحمر اللون، تحيط بوجهه لحية سوداء غير مشذّبة، يستقبل ضيفه بعذوبة لسان رجال الدين، بينما عيناه تتفحّصه بنظرةٍ ثاقبةٍ ذات طبيعة خاصة. سعى البنا بوضوح إلى إغواء محاوره، باستخدام المكر المرح، والكلام الاستعاري، والتحليل المبني بحنكة، مدّعمًا خطابه بباقة لا تنضب من الاقتباسات والطرائف. وقد أبدى لا مبالاة بيّنة تجاه كوني يهوديًا.

خطيبٌ لامع ينضح شغفًا، تستنهض ديماغوجيته الرسولية النكهة حماسة الحشود، ليبرهن أن الإسلام وحده يمتلك القدرة على معالجة كافة العلل التي يعاني منها الشعب. إلى الصهيونية، استهدف نقده، بشكل أساسي، الاستعمار البريطاني، و«الفحش الأخلاقي» في الغرب، و«الكفّار» المتحكمين بالاقتصاد، والملّاك المُدانين بالأنانية والجشع. كان يدين بشكل تام الاشتراكية والشيوعية، معتبرًا انهما عقيدتان غريبتان تتضاربان مع تعاليم الرسول. كان يجتذب معجبين ومريدين بفضل شبكاته المتعددة التي تحاصر البلد، كما بفضل المؤسسات الاجتماعية، والرياضية، والخيرية، والطبية، والعيادات والمدارس المجانية التي أوعز ببنائها، بحيث ملأ الفراغ الثقيل الذي خلّفه غياب الدولة، بمنشآت يمكن استخدامها ستارًٍا للمؤامرات والعمليات الإرهابية التي أعدّها. بعد مرور عامين على لقائي به، في شباط / فبراير ١٩٤٩، اغتيل حسن البنا على أيدي عملاء السلطة، انتقامًا لرئيس الوزراء محمود النقراشي باشا الذي قتله عضو في جماعة «الأخوان المسلمين». وكان رئيس الوزراء المصري بذلك يدفع ثمن قرارٍ فرضه عليه الإنكليز، عندما حاصروا قصره الملكي بدباباتهم في شباط/فبراير العام ١٩٤٢، لإجباره على إعلان الحرب ــ متأخرًا، بالفعل ــ ضد قوى «المحور».

خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، لم تكن أولوية الحركة الوطنية الكفاح ضد الصهيونية، وإنما مقاومة الاحتلال البريطاني، وقد نظّم الوفديّون المناصرون لحزب «الوفد» اليساري، والشيوعيون، اعتصامات وتظاهرات ضده. شاركتُ في واحدة منها في شباط/فبراير ١٩٤٦، وكانت أضخم تظاهرة نظّمتها آنذاك «اللجنة الوطنية للطلبة والعمال».. وانتهت بحمام دم. أمام الأمواج البشرية المتراصة والعاصفة التي تدفّقت إلى «ميدان الإسماعيلية» الشاسع (أصبح اسمه «ميدان التحرير» إثر الثورة الناصرية)، حيث تمركزت الثكن البريطانية، فتحت القوات النظامية النار على الحشد، متسببة بسقوط حوالي عشرين قتيلًا ومئات الجرحى. إحدى الرصاصات قتلت طالبًا يافعًا كان يسير بجواري. حُفر مشهد المجزرة في ذاكرتي. ثم أمر رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا، وهو في آن أحد كبار رجال الأعمال، بتوقيف عشرات القيادات «الوفدية» والشيوعية، كما حظر النوادي التي ينشطون فيها والمنشورات التي يصدرونها. إلا أن تلك الإجراءات منحت زخمًا كبيرًا للحركة الوطنية، أفضى بعد ست سنوات إلى إسقاط النظام الملكي، تمهيدًا لإجلاء القواعد البريطانية من منطقة قناة السويس.


حسن البنا، مؤسس «جماعة الإخوان المسلمين»

قرار التقسيم ذريعة لحملة
على الشيوعيين المصريين

إلا أن المناخ السياسي بدأ يتردّى منذ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٧، عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرسومًا يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة يهودية والثانية عربية فلسطينية. تسبّب القرار بتفجّر غضب عارم، وطبع بداية مرحلة رهاب اليهود. الصحافة التي كانت قد برهنت حتى تلك اللحظة عن اعتدالها، شنّت هجومًا على اليهود، متهمةً إياهم بأنهم، في آن معًا، «صهاينة» و«شيوعيون». وهكذا، أرسى إنشاء دولة إسرائيل الطلاق ما بين اليهود وشركائهم في المواطنة، في مختلف أنحاء العالم العربي. القادة الصهاينة وجدوا في ذلك تأكيدًا لنظريتهم القائلة بأن الأقليات غير المسلمة لا تمتلك مستقبلًا في البلاد الإسلامية، والنتيجة: دفقٌ جديد من المهاجرين إلى إسرائيل. ولكن، مع ذلك، قررت عائلتي، كعائلات كثيرة غيرها، ألا تترك البلد إذ لم تفقد كل أملٍ بالتسوية.

من جهتها، استفادت حكومة الملك فاروق من الموقف لتجرّد الماركسيين من صدقيتهم، وتصفهم بـ«الصهاينة المقنّعين». فإلى الأصول اليهودية التي ينحدر منها قادة شيوعيون كثر، أتى قرارهم بدعم تقسيم فلسطين إلى دولتين ليجعلهم مشبوهين بارزين، فقد دعموا صراحةً المشروع الصهيوني، بعد سنوات من حكمهم عليه بـ«الرجعية» و«العنصرية». وهم في الواقع تبنّوا قرار الاتحاد السوفياتي بالتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إنشاء دولة يهودية. وقد كلّفتهم تلك التبعية غاليًا لسنوات عديدة لاحقة، رغم بقائهم على العداء العميق للإيديولوجيا الصهيونية، فاتخذت السلطات المصرية إجراءات بحقّهم، كحلّ «الرابطة اليهودية المعادية للصهيونية»، وتوقيف قادتها ومصادرة منشوراتها، علمًا أنها رابطةٌ منبثقة عن أحد التنظيمات الشيوعية، تدافع بدورها عن القرار بإنشاء دولة يهودية.

اشتدّت السلطات قسوةً، عند احتلال الجيوش العربية لإسرائيل. ففي ١٥ أيار / مايو ١٩٤٨، اعتقل مئات «الشيوعيين» و«الصهاينة»، أو المفترضين كذلك، وسجنوا في مخيّمين يقعان بالقرب من القاهرة، ويقومان على مبدأ الزنازين الإفرادية. كما طُرد عدد من القيادات الشيوعية، مصريين وغير مصريين، إلى خارج البلاد. وقد كان حظّهم بذلك أفضل من المصير الذي لاقاه نظراؤهم العراقيون، إذ أعدم ثلاثة منهم شنقًا خلال المرحلة ذاتها في بغداد، بذريعة أنهم يؤيدون تقسيم فلسطين. وكانت حصّتي آنذاك الاعتقال، والخضوع للاستجواب المكثّف حول آرائي السياسية، لأمنح بعد شهر حرية مؤقتة، يتابع خلالها الادعاء بناء القضية، علمًا أنه في ظل الأحكام العرفية، كان يمكن لاعتقالي أن يستمر إلى أجلٍ غير مسمّى.

تحت تهديد الإدانة بالتهمة المزدوجة، «الصهيونية» و«الشيوعية»، وكوني عاطلًا من العمل مجرّدًا من أي مدخول ماديّ، قررت أن أغادر مصر. لم تعترض الشرطة رحيلي، إلا أنها لم تمنحني إلا تأشيرة «خروج بلا عودة». بتّ من غير المرغوب بهم في مسقط رأسي. محرومًا من عائلتي، وأصدقائي، ومعارفي. سافرت محمّلًا بعاطفة مزدوجة، الحزن الناتج من النفي وسعادة التواجد في باريس ــ الوطن الذي يميل إليه أبي، وتنتظرني فيه حياةٌ ثانية، اتضح لاحقًا أنها ستكون مذهلة على أكثر من صعيد. بعد أشهر قليلة، وفي ٢٣ تموز / يوليو ١٩٥٢ تحديدًا، سيستولي «الضبّاط الأحرار» بقيادة جمال عبد الناصر، على السلطة، ويعلنوا بعد عام من هذا التاريخ نشوء الجمهورية.

واليوم، بعد مرور حوالي ٦٠ عامًا، أجدني أقف شاهدًا عن بُعد على الربيع الذي يجتاح العالم العربي. لم يكن ليراهن أحدٌ على أن تلك المنطقة ستهتز على وقع انتفاضاتٍ شعبية ظُنّ أنها تجهلها. ولم يتوقع أحدٌ أيضًا أن الرؤوس ستسقط، وأن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي سيهرب، وأن رئيس الدولة المصرية حسني مبارك سيحاكم بتهمة الخيانة العظمى، وأن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح سيُجبر على التنازل عن كرسيه، وأن بشّار الأسد سيتسبّب بحمام دم ليبقي سلطته على سورية. الأعين تشهد على بداية مرحلة جديدة، لا يمكن تكهّن ما ستفضي إليه، فالانتخابات الحرّة في تونس ومصر تصل بـ«الأخوان المسلمين» إلى السلطة، وهم يتعهّدون باحترامٍ ورع لمبادئ الديمقراطية. لمَ لا، ما داموا يمتلكون الأكثرية في المجالس المنتخبة؟

وإن كان النص الوارد أدناه لا يعلن بوضوح بزوغ فجر «الربيع العربي»، فهو يشكّل، في آن معًا، توطئةً له، وعرضًا لمسوّغاته.

دعوة مفاجئة لزيارة القاهرة

تحت تهديد الملاحقة بتهمة ممارسة النشاطات «الصهيونية» و«الشيوعية»، بت مطرودًا من مصر، وبقيت منفيًا لاثني عشر عامًا. من هنا، يأتي الطابع السريالي للاستقبال الذي خصص لي عند هبوطي في مطار القاهرة. فيه، استقبلنا، أنا وزوجتي المصورة الصحافية روزي، ممثلٌ رفيع المستوى عن وزارة الإعلام، باحترام غير مسبوق، وتم اقتيادنا بسيارة ليموزين رسمية إلى فندق قاهري ضخم، حُجز لنا فيه جناحٌ. وكانت بانتظارنا باقة ورد ضخمة، مرفقة ببطاقة تشير إلى أن «رئاسة الجمهورية» ترحّب بنا. كمّ من التشريفات كافٍ لكي يذهل منفيًا قديمًا.

حدثت مقدّمات الرواية التي كنت بصدد عيشها في باريس وتعود لأشهر قليلة خلت إلى صيف ١٩٦٣ تحديدًا. كنت حينها رئيس تحرير باب الشرقين الأوسط والأدنى في جريدة «لو موند»، وهو منصب مٌنح لي بما يخالف كل منطق في التفكير، نظرًا لرفض معظم البلاد العربية، إن لم يكن جميعها، منح تأشيرة دخولٍ ليهوديّ، آنذاك.

لكن إدارة تحرير الجريدة استمدت ثقتها بي من تحقيقات ميدانية كنت قد أجريتها سابقًا في أفريقيا السوداء، خلال مرحلةٍ صعب العمل فيها هناك، لكونها شهدت ذروة نشاط الحركات المناهضة للاستعمار. وبالتأكيد، ساهم تمكّني من اللغتين العربية والإنكليزية في تبرير القرار الغريب الذي اتخذته إدارة التحرير، وإن لم يكن كافيًا لفتح أغلب أبواب المنطقة أمامي. أضف إلى ذلك التحقيقات التي أجريتها في كل من إسرائيل وإيران وتركيا، إذ توحي بقدرتي على اختراق كافة أسوار «القلعة العربية». أما أنا فلم أكن أتوهم ذلك، خاصة عند النظر إلى العدائية العالية التي تستفزها إسرائيل في المنطقة. وكدت أرفض المنصب الموكل إليّ، لأكرّس نفسي لمنطقة أخرى من العالم، لا جذور لي فيها، ولا تبعات لتلك الجذور.

وبقيت الصورة على ضبابيتها إلى أن اخترقها بصيص أملٍ، بعد ثلاث سنوات، عندما اتصل بي صحافي مصري عابر سبيل في باريس، وطلب مني موعدًا للقاء. كنت أعرف اسمه، لطفي الخولي، من حسن سمعته ككاتب عمود يومي في جريدة «الأهرام»، وكاتب مقالات طويلة، ومؤلف مسرحي، ووجه يساري. خلال الغذاء الذي دعوته إليه، قدّم لي عرضًا سيمثّل منعطفًا أساسيًا في حياتي المهنية. فقد أتى، حسبما قال لي، بتكليف من محمد حسنين هيكل، مدير «الأهرام» والصديق المقرّب من الرئيس جمال عبد الناصر، حاملًا دعوة لزيارة مصر. وأكّد لي أني سأحظى بجميع التسهيلات لأجري تحقيقًا صحافيًا، وسأكون حرًّا في حركتي واتصالاتي، ولو مع أقطاب المعارضة، وحرًّا أيضًا في نشر كتاباتي من دون إخضاعها لأي رقابة مسبقة. وعند وصولي، سأمنح تأشيرة دخول تتيح لي البقاء في مصر للمدة التي تناسبني. وهذا كمٌّ من الامتيازات لم تكن مصر الناصرية تمنحه آنذاك لصحافيّ أجنبي، أيًّا كان. أطلعت إدارة التحرير على العرض، فأمرتني بقبول الدعوة، بشرط واحد: أن تتكفّل الجريدة بتغطية كافة تكاليف السفر والإقامة، وليس الصحيفة المصرية.

عقودٌ عديدة انقضت قبل أن أتمكن من فكّ لغز تلك الدعوة الغريبة، التي وجهها إليّ مدير «الأهرام». فقد اتضح لي من الحوارات التي أجريتها بعد وفاة عبد الناصر مع أشخاص مقرّبين منه، وبشكل خاص حواري مع مدير مكتبه سامي شرف، أن حسابات سياسية واعية حفّزت اتخاذ قرارٍ بفتح أبواب مصر أمام المبعوث الخاص لجريدة «لو موند». فقبْلها بعامٍ، كانت الجزائر قد حصلت على استقلالها، واستعادت مصر وفرنسا علاقاتهما الدبلوماسية، فرغب ناصر بإنهاء ماضي الخصومة والمواجهة، وبناء الثقة مع حكومة الجنرال ديغول، الذي كان يكنّ له إعجابًا كبيرًا، كان من المطلوب أن يضحي متبادلًا. وبالقدر ذاته، كان يعتقد ــ وليس اعتباطيًّا ــ بأن باريس ستتيح أمام البلاد التي استعادت حديثًا سيادتها، سبيلًا ثالثًا يسمح بالتفلّت من ثنائية الاتحاد السوفياتي ــ الولايات المتحدة، فكان من الواجب إذًا تبديد العدائية السائدة بين البلدين، قدر المستطاع، ويمكن للإعلام الفرنسي أن يكون احد السبل المتاحة لذلك. ويمكن اعتبار «لو موند» الجريدة الوحيدة القادرة آنذاك على المساهمة في التقريب بين البلدين، كونها عُرفت بميلٍ ديغولي وعالم ثالثيّ، كما أن قوة تأثيرها تفيض بشكل واسع عن حدودها الوطنية.

صحافي في خضم
حركات التحرر الوطني

لذلك، ارتأى مستشارو عبد الناصر، وخصوصًا مدير «الأهرام» بإيحاء أكيد من لطفي الخولي، أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تكون بإرساء علاقة مع مسؤول قسم الشرق الأوسط في «لو موند». ولم يكن الرهان خاسرًا تمامًا. فقد كان يُنظر إليّ في الأوساط السياسية كشخص «تقدّمي» من الممكن أن يتفاعل إيجابًا مع بعض إنجازات النظام الناصري.

أضف إلى ذلك أن توجّه مقالاتي لفت أنظار المسؤولين المصريين. ففي خلال الأزمة البلجيكية ــ الكونغولية في العام ١٩٦٠، اتخذت موقفًا صريحًا من المواجهة ما بين بروكسل وليوبولفيل (الاسم السابق لعاصمة الكونغو ــ زائير)، ينتصر للحركة الاستقلالية ورئيسها باتريس لومومبا، الذي استهدفته مؤامرة عالمية (لم تكن الولايات المتحدة غريبة عنها)، كان من المفترض أن تؤدي إلى اغتياله واستبداله بموبوتو. كنت واحدًا من قلّة قليلة في الصحافة الفرنسية بادرت إلى كشف خلفيات انفصال مقاطعة كاتانغا، الذي قادته عن بعد «لونيون مينيار»، وهي شركة قابضة بلجيكية تنقّب مناجم النحاس الغنيّة فيها، إذ كانت، كجميع الشركات الكبرى الأخرى في المرحلة الاستعمارية، تخشى أن ينتقص الاستقلال من امتيازاتها الهائلة.

وبعد مرور سنتين، في العام ١٩٦٢، كنت أدافع عن الجمهورية اليمنية، التي ولدت إثر الانقلاب الذي أطاح النظام الملكيّ. وأتت انتقاداتي المستمرة لديكتاتورية شاه إيران (الذي يعتبره الغرب «إصلاحيًا عظيمًا»)، ولانتهاكاته لحقوق الإنسان، وخضوعه للإرادة الأميركية، لتشدّ انتباه الأوساط السياسية المصرية التي كانت تشاركني التوجّه العام لآرائي السياسية.

وقد تميّز تعاطفي النسبيّ مع مصر الناصرية عن العدائية التي أبداها السواد الأعظم من الصحف الغربية تجاه «ديكتاتور» القاهرة. ولم تكن جريدتي آخر الصحف التي شنّت هجومًا على الرئيس المصري، وشبّهته بهتلر أو ستالين، واتهمته، تباعًا أو في آن معًا، بالفاشية والشيوعية، كما بالعمالة للكرملن. أما أنا فلم أكن لأجترّ التوصيفات المألوفة في الغرب، والهادفة إلى أبلسة قادة العالم الثالث الذين يتحدّون النظام القائم. فقائد الثورة المصرية لم يقم فحسب بإسقاط الملكية، وتجريد كبار الإقطاعيين من أراضيهم، وتفكيك الأوليغارشيات الصناعية والمالية المحلية والبريطانية والفرنسية وسواها، وتأميم شركة قناة السويس، رمز السيطرة الأجنبية على وادي النيل ومصدر فخرها، ولكنه أيضًا أرسى علاقات وديّة مع الاتحاد السوفياتي وأقماره الصناعية، ليوازن ثقل النفوذ الغربي، وبشكل خاص الأميركي.

من جهتها، أخذت جمهورية فرنسا الرابعة على عبد الناصر، بشكل خاص، دعمه لثورة الشعب الجزائري، ناسبةً إليه الأبوة المفترضة للحركة القومية. ومثلما تملي الحرب الصالحة في حالات شبيهة، حملت الحملة ضد عبد الناصر نبرةً أخلاقية، لتموّه جيدًا المصالح التي لا تجاهر بها القوى العظمى.

حينها، رأيت أنه يحق تمامًا للرئيس المصري أن يدعم الثورة الجزائرية، وأن يسعى إلى تشييد السدّ العالي في أسوان لتوسيع الريّ وترشيده في بلد صحراوي، وأن يقوّي مصادر الطاقة، وتاليًا، الإمكانات الصناعية لمصر. ووجدت وضاعةً في قرار واشنطن في العام ١٩٥٦، القاضي بحرمان المشروع من المشاركة في المنافسة على التمويل والدعم التكنولوجي، في معرض «عقاب» عبد الناصر على عقده صفقة سلاح مع موسكو، وهي صفقة يبرّرها رفض الولايات المتحدة مدّه بالوسائل الدفاعية.

ولم أتردّد في مشاركة حماسة المصريين، كما مجمل شعوب العالم الثالث، عند تأميم شركة قناة السويس في ٢٣ تموز/يوليو ١٩٥٦، بجرأةٍ لم يُعرف لها مثيلٌ في تلك الحقبة، وهو فعلٌ ثوري يأتي ثانيًا في الترتيب الزمني في المنطقة، إذ كان القومي المعتدل محمد مصدّق قد أعلن قبل أربع سنوات، تأميمًا للنفط الإيراني تم إجهاضه. وقد عاد عليه هذا التحدّي بالتشهير والاتهام بالعمالة لموسكو، قبل إطاحته في العام ١٩٥٣، إثر انقلابٍ حرّضت عليه «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية. مع ذلك، فإن إعادة استملاك الموارد الوطنية، في كلتا الحالتين، أتت موافقة لحقوق السيادة، ولم يسجّل اعتداءٌ على مصالح المساهمين، إذ جرّدوا من ملكيتهم بشكل قانوني، وعوّض عليهم بنزاهة.

أتى الرد على عبد الناصر أشدّ وحشيةً من الرد على محمد مصدّق، وإن شابهه بانعدام المبررات. فبعد ثلاثة أشهر لا أكثر على تأميم ناصر لقناة السويس، اجتاحت الدبابات الإسرائيلية سيناء، بينما تم إنزال القوات الفرنسية والبريطانية في بور سعيد، بذريعة الفصل ما بين الطرفين المتحاربين. في الواقع، كان الهدف الموحّد للحلفاء يرمي إلى إسقاط الجمهورية الناصرية، وقد أضيف إليه طموح الدولة العبرية بالحصول على منفذ حرّ إلى قناة السويس، تكتمل ذروته بتملّك سيناء. بدا انتصار الغزاة حينها حتميًا، رغم قوة المقاومة المصرية وإصرارها، إلى أن حلّ يوم طالب فيه الرئيس أيزنهاور بانسحاب كافة القوات العسكرية الأجنبية، فتمت تلبية طلبه.. علمًا أن الرئيس السوفياتي المارشال بولغانين هدّد بالتدخّل العسكري، بما يعنيه ذلك من إشهار دعم موسكو للبلد النامي، طبعًا.

موقف متناقض من النظام الناصري

ولم تأت مبادرة الرئيس الأميركي الفريدة من نوعها، مجانية. فقد استاء من إبقائه بعيدًا عن تواطؤ لندن وباريس والقدس، وهدفه الأكيد وضع مصر تحت وصايتهم. وقد أصابت نظرة أيزنهاور: فقد رفع التدخّل شعبيته إلى أوجها، ومعها نفوذ الولايات المتحدة في مصر وفي مجمل الشرق الأوسط، بينما أتى فشل «العدوان الثلاثي» ليعلن نهاية الوجود الفرنسي ــ البريطاني في مصر، وليسجّل بداية تراجع نفوذ القوتين في المنطقة. أما الضرر الذي ألحق بإسرائيل فلم يكن أقل شأنًا: بات ينظر إلى الدولة اليهودية، أكثر من أي وقت مضى، على أنها دولة توسّعية مسخّرة لخدمة الإمبريالية الغربية.

مع ذلك، ورغم كل شيء، عدت من مصر بتحفظات عميقة تجاه النظام الناصري. الانقلاب على الملكية، وما تبعه من إصلاحات جذرية اقتصادية واجتماعية، واستعادة السيادة الوطنية بعد الجلاء التام لقوات الاحتلال البريطانية، هي عناوين تنسجم بالتأكيد مع قناعاتي كشاب. إلا أن الطابع العسكري للنظام الذي أرسته مجموعة الضباط التي استولت على السلطة في ٢٣ تموز/يوليو ١٩٥٢، بقي في نظري وصمة لا تمحى. وفي الأزمة التي اندلعت بعد سنتين بين ناصر وبين واجهة قيادة الثورة ورمزها الجنرال محمد نجيب، وجدت الحق في صف الأخير، الذي سعى لتشريع عمل كافة الأحزاب السياسية، من «الأخوان المسلمين» إلى الشيوعيين، وإعادة الحياة البرلمانية إلى مجراها.

ومع ذلك، لم أكن بعيدًا تمامًا عن حجة خصوم الجنرال نجيب التي تفيد بأن إحلال الديمقراطية سيعيد إرساء نفوذ أصحاب رأس المال، كونهم ما زالوا يتحكّمون بأدوات السيطرة على المشهد السياسي. وقد كان نظام الحزب الواحد حينها يسود معظم البلاد التي فازت باستقلالها منذ الحرب العالمية الثانية. كافة الإشارات دلّت حينها إلى أنه ثمن يجب دفعه لضمان تقدّم الشعوب النامية ورعايتها.

تجاذبني الطرحان المتناقضان جذريًا، حتى خرجت بمعادلة وجدتها موفّقة، تفيد بأنه، بحزبٍ واحد أو من دونه، لا شيء يبرر مصادرة الحريات العامة، وانتهاك ما كان يُسمّى بحقوق الفرد. فالقمع الوحشي الذي طال جميع المعارضين في مصر، أكانوا ليبراليين أم وفديين أم شيوعيين أم من الإخوان المسلمين، لم يكن بالنسبة إليّ محتملًا، منذ ذلك الحين.

ولم يحلّ العنف الجسدي، بكافة أشكاله، كممارسة استثنائية في المعتقلات. وقد نشرت «لو موند» في مطلع الستينيات خبر وفاة اثنين من مثقفي الصف الأول في مصر، تحت التعذيب، وكانت تربطني بهما معرفة شخصية خلال سنوات شبابي في القاهرة: فريد حدّاد، «طبيب الفقراء»، الذي كان زميلي في المدرسة الثانوية، وشهدي عطية الشافعي، الذي عرفته رئيس تحرير أسبوعية «الجماهير». شهدي هو أستاذ مجاز باللغة الإنكليزية، سحر الكثيرين بكاريزماه الشخصية وذكائه، وأدّى دورًا بارزًا في الحركة الشيوعية. ولسخرية القدر الُمرّة، تعرض الرجلان للضرب حتى الموت على أيدي سجّانيهما، بينما لم يكن أي منهما مناهضًا شرسًا للناصرية.

عرضت شروطي الاخلاقية على هيكل

كان فريد وشهدي حاضرين في بالي، عندما استقبلني محمد حسنين هيكل، غداة وصولي إلى القاهرة، في حزيران/يونيو ١٩٦٣. خلال العشاء الذي نظّمه على شرفي في ترّاس فندق «سميراميس» القاهري الكبير، الواقع على ضفاف النيل، حرصت بلا تلكؤ على تبديد أي غموض يمكن أن يشوب علاقتنا الناشئة حديثًا. وقد شكرت له الدعوة التي وجّهت إلي وأتاحت لي فرصة العودة إلى مسقط رأسي، في ظروف شديدة الاختلاف عن تلك التي قادتني إلى منفاي. كذلك أبديت امتناني لحصوله على موافقة الرئيس ناصر المبدئية على منحي مقابلة صحافية لـ«لو موند»، وهو امتياز نادرًا ما منحه «الريّس» لأحد.

في المقابل، عرضت له الأخلاقيات الأدبية التي أنتمي إليها، والتي أحرص على التقيّد بها بشكل صارم، ووضّحت بدماثة أن الصداقة لن تكون يومًا غير مشروطة، وأني سوف أنشر سلسلة مقالات عند عودتي إلى باريس، من الواضح أنها لن تنال القبول، وإنما ستعكس بأمانة آرائي الشخصية، التي لا يتشاركها بطبيعة الحال معي، لا هو ولا القادة المصريون.

هيكل رجل يتمتع بنباهة وتهذيب شديدين، فاستقبل رسالتي أولًا باستياء مندهش، قبل أن أجد في رد فعله رضا بالكاد أخفاه صاحبه. لاحقًا، أفهمني لطفي الخولي، الذي حضر اللقاء، أن مدير «الأهرام» يميل بشدّة إلى التعامل مع رجل يشبهه في تمسّكه بالقناعات الشخصية، حتى ولو تباعدت آراؤنا. فهو يعتبر أن النقد الآتي من مراقبٍ ذي صدقية سيخدم النظام الناصري أكثر من المدائح التي يكيلها صحافي متذلل. ولأنه صحافي متنبّه، على معرفة بيّنة بالصحافة الغربية، فإن عنادي ما كان ليصدمه.

أثرت بلا تحفّظ المسألة المحرّمة دونًا عن سواها، وهي تلك المتعلّقة باضطهاد سجناء الرأي، مشيرًا إلى أني أنوي طرحها على الرئيس، خلال المقابلة التي منحني إياها. وكوني على ثقة من أن هيكل لن يهمل تنبيه ناصر إلى ذلك، أضفت أن مخيّمات الاعتقال تحجب الأوجه الإيجابية لسياسة الحكومة المصرية، في عيون الرأي العام العالمي، والفرنسي الذي تتوجه إليه جريدتي تحديدًا. فلم يغب التحذير الضمني عن هيكل، الذي اكتفى، في معرض الإجابة، برسم ابتسامةٍ مفخخة بالألغاز. بعد مرور سنوات عديدة، عرفت أن هيكل كان يشاركني الرأي، سرًّا.

اللقاء مع جمال عبد الناصر

كنت أتوقع أن يأتي لقائي بجمال عبد الناصر، بعد أيام قليلة، حاسمًا على أكثر من مستوى. في البدء، فوجئت إيجابًا بالبساطة الوديّة التي أبداها خلال استقبالي. كان يرتدي سروالًا من كتّان، وقميصًا خفيفًا من نسيج القطن، مفتوح الياقة، واستقبلنا، روزي رولو وأنا، في البيت المتواضع نسبيًا الذي يقطنه منذ أن كان ضابطًا شابًا، في الضاحية القاهرية منشية البكري، إذ يفضّله على القصور التي وضعتها الجمهورية بتصرّفه. الصالون الذي شهد المقابلة، يحوي أثاثًا أمينًا على تقاليد بورجوازية الطبقة الوسطى المصرية ــ كنبات وكراسٍ تنقل موضة لويس الخامس عشر ــ لكنه لا يعكس مقام رئيس دولة. وقد زيّن الجدار الأخضر الرماديّ، ببورتريهات موقّعة من قادة حركة العالم الثالث: تيتو، نهرو، شو ان لاي، نكروما، سوكارنو.

وبما أن الغرفة ليست مجهّزة بمكيّف للهواء، اجتهدت مروحة لجعل حرارة حزيران / يونيو القاهري قابلة للاحتمال. لقاؤنا ــ الذي دار بالإنكليزية حينًا وبالعاميّة المصرية حينًا ــ استمر لما يزيد على الساعتين، بحضور هيكل الذي ــ احترامًا للرئيس ــ لم يتدخّل بتاتًا في سياق الحوار.

طويل القامة، كتفاه جسيمتان متقوّستان برشاقة ككتفي مُلاكم، نظرته مكثّفة لكن عطوفة، وقد استهل الكلام بهدف إراحتنا. انكسر الجليد سريعًا: شكا من انه يعاني من الوحدة منذ أن انتقلت عائلته، أي زوجته وأولاده، إلى الإسكندرية لقضاء عطلة الصيف. البيت، الذي لم نصادف فيه معاونين او خدمًا (باستثناء الشخص الذي قدّم لنا الليموناضة والقهوة التركية) بدا له مهجورًا وكئيبًا. قال أنه لحسن الحظ يعمل كثيرًا، أكثر من المعدّل المقبول برأيه، في المكتب الذي استحدثه في شقّته، وهو يسعى جاهدًا، رغم كل شيء، ليخصص وقتًا لرياضتيه المفضلتين، السباحة وكرة المضرب. ألا تشغله هواية؟ لا يذهب ناصر إلى حدّ مكاشفتنا بميله الشخصي ــ الذي يعرفه عنه المقرّبون منه ــ لأفلام رعاة البقر التي تنتجها السينما الأميركية، أو عشقه للعبة الشطرنج التي حرص على ممارستها قدر المستطاع مع المشير عبد الحكيم عامر، الصديق الأقرب إلى قلبه بين مجموعة الضبّاط الذين استولوا على السلطة في تموز / يوليو ١٩٥٢. سيعزله في ظروفٍ سأستحضرها في الفصل الثاني عشر، عزلًا اصابه بجرحٍ في الروح، تلى الهزيمة العسكرية في العام ١٩٦٧، إذ اعتُبر عامر مسؤولًا عنها، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلّحة في حينه.

أظهر عبد الناصر فضولًا نهمًا وقدرة على الإنصات خارجة عن المألوف. وقبل أن أتمكن من صياغة أول أسئلتي في الحوار المقرر نشره في «لو موند»، استجوبني طويّلًا عن حياتي المهنية، وآلية عمل الإعلام الفرنسي والحريّات التي يتمتع بها، وفاجأني بسؤاله عن حياتي الشخصية. كمّ طفلًا لدينا؟ في أيّ بيت نسكن؟ كيف نقسّط البيت الذي نقيم فيه، في قلب مدينة باريس؟ ما هو حجم الفوائد التي يستلزمها القرض المصرفي؟ إلى أي حدّ تقتطع نسب السداد من ميزانية البيت؟ سحنتي المفاجأة دعته لأن يعتذر عن تطفله، شارحًا أنه يسعى لمعرفة ما إذا كان بوسعه منح المصريين مساكن بكلفة مخفضة يقدرون على تملّكها، وما إذا كان مشروعًا شبيهًا يعتبر خياليًا في مثاليته، في بلد نامٍ بالكاد يسمح مدخول الأكثرية العظمى من سكانه بتأمين القوت.

وكما لو أن مكتبه لم يمدّه بكافة المعطيات حولي، سألني أيضًا عن جذوري، وحياتي في مصر خلال سنوات شبابي، لكنه تفادى بعناية الخوض في الأسباب التي قادتني إلى منفاي. واتضح له أننا «جيران»، لأن المدينة التي ولدت فيها، مصر الجديدة، تقع على مقربة من بيته في منشية البكري، حيث يدور اللقاء. وقد بدا واضحًا أنه يمارس تمرينًا في الإغراء، لا يمتلك سرّه إلا خبراء التواصل.

السؤال الحساس والسَبْق الصحافي

بدا لي المناخ ملائمًا لطرح السؤال الأشد حساسية، حول المعتقلات. ولقد بدا أنه يتوقّعه، نظرًا لسرعته في تقديم الإجابة، معلنًا بهدوء: «قررت أن أطلق سراح كافة السجناء السياسيين قبل نهاية العام الجاري». التصريح، غير المتوقّع أبدًا، سيحتلّ العناوين الأولى في الصحافة الغربية، والعالمية طبعًا. بثّت جميع محطات الإذاعة الخبر، إلا إذاعة القاهرة ويا للغرابة. لكن ذلك لم يعق وصوله إلى مئات السجناء الذين يستمعون إلى المحطات الأجنبية بانتظام. تفجّر الفرح في المعتقلات، احتفالات صاخبة تحتفي بالحدث. هبّت رياح التفاؤل على المجتمع المدني، ومعظمه يساريّ الاصطفاف. وببديهية مجرّدة تمامًا من المنطق، أصبحت أنا، بالنسبة إلى المعتقلين السياسيين، «البطل» الذي تمكّن من انتزاع الوعد من الرئيس. فالهوّة التي تفصل بين الرئيس المصري والشيوعيين بدت، على الأقل في تلك المرحلة، غير قابلة للردم. أولًا، لأن معظمهم دان الانقلاب الناصري في تموز/يوليو ١٩٥٢، كما دان، بعده بقليل، القرار العجول والسريع التنفيذ الذي قضى بإعدام اثنين من العمال الشيوعيين. وبعد سنتين من ذلك، اصطف الشيوعيون إلى جانب الجنرال محمد نجيب، مطالبين بعودة الجيش إلى ثكنه، فسُجن عددٌ منهم، بينما نُفي خالد محيي الدين إلى سويسرا، وهو أحد الضباط الشيوعيين داخل مجلس الثورة، وصديق مقرّب من عبد الناصر. وفي العام ١٩٥٨ سادت موجة اعتقالات واسعة، لم تشهد لها البلاد مثيلًا قبلًا، ما أن عبّر الماركسيون عن رفضهم للسياسة القومية العربية التي ينتهجها عبد الناصر وعابوا عليه فرضه لوحدة اصطناعية تقوم على سيادة الحزب الواحد.

الوحدة السورية ــ المصرية، التي اتخذت لنفسها اسم «الجمهورية العربية المتحدة»، تحققت في شباط / فبراير العام ١٩٥٨، بناءً على طلب قادة دمشق، ولكنها تأسست على القواعد التي فرضها «الريّس»: حلّ جميع الأجسام السياسية لصالح الحزب الواحد، ونقل الأنظمة السياسية والاقتصادية النافذة المفعول في وادي النيل وإسقاطها كما هي على سورية، بتجاهلٍ تام لخصوصية البُنى السورية والعادات والظروف الداخلية. ومع ذلك، أثار إندماج البلدين حماسة أولى تفجّرت في الشارعين السوري والمصري، فضلًا عن الابتهاج الذي ساد العالم العربي. واحتفت وسائل الإعلام بظهور أفق جديد لـ«أمة» سوف تمتد من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي.

تنبّه الإمبرياليون وعملاؤهم، الملّاك الاستغلاليون، الأنظمة الملكية الرجعية، جميعهم إلى أنها ليست إلا بداية آليةٍ باتت حتمية. وارتفعت الآمال، على امتداد المنطقة، عند إطاحة الملكية العراقية في تموز / يوليو ١٩٥٨، ووصول سلطة عسكرية إلى الحكم تشبه كثيرًا تلك الحاكمة في القاهرة، وصدور أولى إعلاناتها الثورية، القومية والاشتراكية. اعتقد الناس حينها أن عهد الناصرية الظافر يبلغ ذروة جديدة. وفي بلاد أخرى، منها لبنان حيث انتقل مناصرو القومية العربية الكثر إلى مرحلة الهجوم، بدأ التجهّز للالتحاق بركب القومية العربية المنتصر.

في هذه الأثناء، وعلى عكس التوقّعات، أدّى الماركسيون دور مُفسدي البهجة. من أقصى العالم العربي إلى أقصاه، وتحديدًا في العراق، عارض الشيوعيون وحدةً محتملة ما بين القاهرة وبغداد. فهي، بنظرهم، تشكّل نكوصًا، نظرًا لكون الحركة الثورية في بلاد ما بين النهرين أشدّ جذرية من تلك الماثلة في وادي النيل. وعلى عكس عبد الناصر، فإن نظيره العراقي الجنرال عبد الكريم قاسم كان يركن إلى حكماء القوى السياسية التي تشكّل عماد نظامه. في المقام الأول، صمّم الشيوعيون العراقيون على مقاومة إرساء الحزب الواحد، وكانوا حينها يتصدّرون المشهد. وكانوا مؤثرين بشكل خاص بين الشيعة، أكبر الجماعات المكوّنة للشعب العراقي، كما بين الأكراد (يشكّلون ربع السكان تقريبًا)، وكلا الطرفين يتخوّف من وحدة انصهارية تلغي الخصوصية التي يتمتعون بها على مستوى الهوية في محيط عربي سنّي. في المحصّلة، لن ترغب الأغلبية القصوى من العراقيين، كما حكومة الجنرال قاسم، بالذوبان في «الجمهورية العربية المتحدة».

التباين ما بين القاهرة وبغداد، الذي بدا ملبدًا في بدايته، لم يتأخر في اتخاذ شكل المواجهة. وقف الشيوعيون المصريون في صف رفاقهم العراقيين، فاعتُبروا خائنين لبلدهم وللأمة العربية. فأصابتهم موجة اعتقالات، انسحبت لتطال العديد من المفكّرين الليبراليين كما اليساريين، الذين لم يتفاعلوا إيجابًا مع البونابارتية الناصرية.

من هنا، أتى الإعلان عن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، بعد مرور خمس سنوات خلت من التفسيرات، ليحيّرني. لماذا اتُّخذ القرار، ولماذا خُصّ به صحافيًّا أجنبيًا عابر سبيل في البلاد؟ بدا لي مؤكدًا أن عبد الناصر أراد مخاطبة الرأي العام الغربي، بالدرجة الأولى، وهو رأي عام لا يبدي سواده الأعظم أي تعاطف تجاه الحاكم المصري، فوجب عليه أن يدعّم نظامه الذي لا يزال يترنح إثر الضربة التي تلقاها، منذ عامين، عند انهيار الوحدة السورية ــ المصرية.

هيبته في العالم العربي، وحتى في مصر، باتت منتقصة. بعد الانقلاب الذي أطاح عبد الكريم قاسم في العام ١٩٦٣، قدّم خلفاؤه المنتمون إلى «حزب البعث» أنفسهم كمنافسين للناصريين. وقد ارتاب الرئيس المصري منهم حدّ الهوس، معتبرًا أن ذاك التنظيم قد خانه من خلال التسبّب بانهيار «الجمهورية العربية المتحدة». واحتجتُ إلى استعادةٍ لاحقة للأحداث، لكي أنتبه إلى أن إقفال المعتقلات لم يكن ليحلّ مفاجأة في هذا السياق كله. فعلى الرغم من طابعه الاستعراضي، لم يكن أكثر من إجراء ضمن إجراءات أخرى تبرهن على عزم جمال عبد الناصر على قلب صفحة وفتح صفحة جديدة. فقد شكّل الإجراء خطوة منطقية في تتابع الإصلاحات التي أقدم عليها في معرض تجديد النظام وتدعيمه. واستهل عبد الناصر النقد الذاتي للتجربة السابقة برفض القومية العربية التقليدية، ناسبًا إليها مضمونًا يبطلها. وللسبب ذاته وجب عليه أن يشرح خلال المقابلة التي جمعتني به، فإن الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلا بين شعوب تطمح إلى «أهداف مشتركة»، وهي الاشتراكية ومعاداة الإمبريالية. بمعنى آخر، لا تكفي العوامل الثقافية واللغوية والدينية لتشكّل عنصرًا جامعًا. وحدة الشعوب تستبدل وحدة الأوطان، حسبما أشار ناصر: إن كان لا بد من ذلك، فلتكن كونفدرالية مكوّنة من غرفتين، الأولى منتخبة تبعًا للنسبية، والثانية تمثّل بالتساوي دولًا أعضاء، بحيث تلبّي المصالح المحدّدة للشعوب المعنية بها. بدا جليًا أنه يستقي من السوق الأوروبية المشتركة، مثلما نظّر لها الجنرال ديغول، نموذجه.

وعلى الرغم من تململه من طرح نظريةٍ تبقى حظوظ تطبيقها ضعيفة، على الأقل في الأفق المنظور، قاوم «الريّس» الضغوط التي مورست عليه لإعلان الوحدة بين مصر واليمن الذي اجتاحته القوات المصرية دفاعًا عن الجمهورية التي تأسست في أواخر العام ١٩٦٢، في مواجهة القبائل الممولة من الإمام المخلوع و«المملكة العربية السعودية». وبالقدر ذاته، لم يكن متحمّسًا لوحدة مصرية ــ جزائرية. كما أنه استمر في إدانة شوفينية قادة بغداد الجدد، الذين رفضوا الاعتراف بشرعية آمال الأكراد الطامحين إلى استقلال ذاتي ضمن الدولة العراقية. وبعد سنوات، لن يلبّي عبد الناصر الطلب الملحّ بالوحدة الذي رفعه إليه مرارًا العقيد معمّر القذافي، قائد ليبيا المندفع.

بدا واضحًا حينها أن «الريّس» يسعى لتهيئة منفذٍ وديّ يقوى على استيعاب فيضان الشعب المصري، وفائض إنتاجه. كذلك هدف إلى الضغط على البلاد العربية النفطية، المسمّاة «ممالك رجعية»، ليجبرها على تكريس نسبة من أرباحها لتنمية «الشعوب الشقيقة» المجرّدة من الموارد الطبيعية، وعلى رأسها مصر بطبيعة الحال. أما القوامة السياسية التي سعى لإرسائها على الجماهير العربية فقد أراد لها أن تستحث تضامنًا كاملًا معه، يساهم أساسًا في تعزيز دور مصر على الساحة الدولية.

ترجمة: سحر مندور

العدد الثاني - صيف ٢٠١٢
صحافي كبير في العصر الذهبي للتحرر العربي

إضافة تعليق جديد

تهمّنا آراؤكم ونريدها أن تُغني موقعنا، لكن نطلب من القراء أن لا يتضمن التعليق قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم، وأن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.